شرح
بالناس وإضاعته ما كان منهم من العبادات التي أفضلها الإيمان متنافيان وتحقق أحد المتنافيين مستلزم لانتفاء الآخر . ولام ليضيع متعلقة بخبر كان المحذوفة تقديره ومعناه : وما كان اللّه مريدا لأن يبطل صلاتكم وصلاة أمواتكم إلى بيت المقدس . كذا في الكواشي ، وفيه أيضا الرأفة بمعنى الرحمة إلا أنها أشد وأبلغ من الرحمة فلذلك جمع بينهما ، فمن عم أراد رحمته إياهم في الرزق والخلق والصحة ومن خص أراد رحمته للمؤمنين خاصة . انتهى . وفي التيسير : الرؤوف فعول ومعناه المبالغة في الرحمة فالرحيم أعم والرؤوف أبلغ . ولذلك جمع بينهما لإثبات المعنيين وبدأ بالأبلغ وختم بالأعم . انتهى . فقوله : « فالرحيم أعم » يعني لما كان الرؤوف أبلغ كان مدلوله الرحمة الكاملة البالغة بخلاف الرحيم فإن مدلوله مطلق الرحمة إلا أنه لكونه صفة مشبهة دالة على الدوام والثبات دون التجدد والحدوث كان معناه دائم الرحمة . ومعنى الراحم من وجدت منه الرحمة فذكر الرحيم لا يغني عن ذكر الرؤوف وكذا العكس فجمع بينهما إلا أن هذا التوجيه يقتضي أن يكون العموم بمعنى الإطلاق وليس كذلك ، فإن العموم بمعنى التناول والشمول لجميع الآحاد والإطلاق خلاف التقييد وأخذ الماهية من حيث هي .
وتوضيح المقام يستدعي أن يحرر المبحث أولا فالرحمة في اللغة رقة القلب والانعطاف الذي يقتضي التفضل والإحسان والرحمة بهذا المعنى لا تتصور في حقه تعالى ، فالتي يوصف بها البارىء تعالى إنما هي الرحمة بمعنى التفضل والإحسان فلذلك قيل : إن أسماء اللّه تعالى التي تنبىء عن الانفعالات النفسانية إنما تطلق عليه تعالى باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادئ التي هي الانفعالات . فعموم الرحمة بهذا المعنى عموم إحسانه بالمؤمنين والكفار وعدم اختصاصه بأحد الفريقين فإن الخلق والإحياء والترزيق وسلامة القوى والأعضاء وتهيئة ما يتوقف عليه المعاش وانتظام الأحوال لا يختص بأحد الفريقين بل يعمهما فمن قال قوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌإنه تعالى متفضل لجميع الناس تفضلا عاما فقد حمل تعريف الناس على الاستغراق ، كما قال المصنف في تفسير قوله تعالى :يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ[ النساء : 1 ] الجموع وأسماؤها المحلاة باللام للعموم حيث لا عهد وحمل الرحمة والتفضل على ما لا يختص بأحد الفريقين كالخلق والرزق وإصلاح الحال . قال : معناه أنه تعالى متفضل على المؤمنين بما يخصهم من التفضل الديني والأخروي كالهداية الدينية لدار كرامته فقد حمل تعريف الناس على العهد الخارجي ، فإن الكلام مع المؤمنين من حيث إنه تعليل لقوله :وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْفلا بد أن يراد بالرحمة التفضل المختص بهم . قال الإمام حجة الإسلام الغزالي : الرؤوف هو ذو الرأفة