شرح
الوجه أسند الإيمان إلى الأحياء من المؤمنين والمراد من مات منهم أي وما كان اللّه ليضيع إيمان من مات وهو يصلي إلى القبلة المنسوخة لأن الأموات داخلون معهم في الملة فحكمهم واحد . ولم يرض المصنف بهذين القولين لأن الأول تخصيص بلا مخصص والثاني تجوّز من غير تعذر للحقيقة مع أن ما روي في سبب نزول الآية من أن الذين صلوا إلى بيت المقدس وماتوا قبل تحول القبلة إلى الكعبة ظن عشائرهم أن ضاعت صلاتهم التي صلوها إلى بيت المقدس فسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك فنزلت هذه الآية ، بعيد من العقل لأن الظاهر أن عشائر الذين ماتوا قبل التحول مسلمون يعرفون أن أمر اللّه تعالى وأمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم واجب الامتثال . وكيف يخطر ببال المسلم أن يضيع صلاة قوم أدوها امتثالا لأمر اللّه تعالى وقصدا لطاعته ؟ فإن من مات على طاعة ربه فاعلا ما أمر به وتاركا ما نهى عنه كيف يظن في حقه أنه قد ضاع عمله حتى يسأل عن ذلك ؟ غاية الأمر أنه قد نسخ التوجه إلى القبلة الأولى وذلك لا ينافي الائتمار بما أمر اللّه تعالى به عباده وكلفهم تكليفا صحيحا متضمنا لحكمة ومصلحة فإن نسخ الأحكام وتبديلها ليس مبنيا على البداء والغلط بل هو بيان لانتهاء الحكم الأول على الصحة والاستقامة وتكليف بحكم ثان كالأول في الصحة والاشتمال على الحكمة والمصلحة ، فكما أن القائم بالحكم الثاني والمعتقد لوجوب الائتمار به مستمسك بالدين محسن في اعتقاده وعمله فكذلك القائم بالحكم المنسوخ قبل نسخه والمصدق بحقيته وبوجوب الائتمار به . ومن هذا حاله لا يضيع أجره فظن ضياع أجره لا يليق بالمؤمن فضلا عن الصحابة الكرام رضوان اللّه تعالى عليهم فلذلك قيل : لو كان ثمة سؤال عن حال صلاة هؤلاء فهو من اليهود الذين لا يجوزون النسخ إلا من البداء والغلط فيعتقدون بطلان التناسخ في الأحكام والشرائع فيتأتى لهم بناء على زعمهم الفاسد أن يقولوا : إن صلاة هؤلاء ضاعت على رأيكم بجواز النسخ الذي هو من باب البداء والغلط فتكون الآية ردا عليهم وتذكيرا للمسلمين جواب شبهتهم بأن النسخ ليس من باب البداء فتضيع صلاتهم بل من باب تبدل المصلحة وتجددها كما مر من أن نسخ الحكم لا يبطل حقيته بل هو بيان انتهاء ذلك الحكم لانتهاء المصلحة الداعية إلى شرعه مع بقاء حقيته وشرعه في ذلك الوقت لقيام تلك المصلحة فيه . ويحتمل أن تكون الآية في قوم من الكفرة آذوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأفرطوا في تكذيبه ومعاداته ثم أرادوا الإسلام فظنوا أن ما كان منهم من العصيان والتكذيب يمنع قبول الإسلام فأنزل اللّه تعالى :وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ[ البقرة : 143 ] بما كان منكم في حال الكفر ، ألا ترى أن آخر الآية يدل عليه وهو قوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌأخبر أنه رحيم بالتجاوز عمن تاب من ذنبه وهو في معرض التعليل للنفي السابق لأن رأفته