فتكون كان زائدة .
إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
إلى حكمة الأحكام الثابتين على الإيمان والاتباع .
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ
أي ثباتكم على الإيمان . وقيل : إيمانكم بالقبلة المنسوخة أو صلاتكم إليها . لما روي أنه عليه السّلام لما وجه إلى الكعبة قالوا :
كيف بمن مات يا رسول اللّه قبل التحويل من إخواننا ؟ فنزلت .
إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
( 143 ) فلا يضيع أجورهم ولا يدع صلاحهم . ولعلّه قدم الرؤوف وهو أبلغ محافظة على الفواصل . وقرأ الحرميان وابن عامر وحفص لرؤوف بالمد والباقون بالقصر .
شرح
نحو القبلة المأمور بها مع كونها خلاف ما تعودوها . قوله : ( فتكون كان زائدة ) والأصل وإن هي لكبيرة كقولك : إن كان زيد لمنطلق تزيد لفظ « كان » وكان الزائدة لا تعمل في شيء من أجزاء الجملة فيكون الضمير باقيا على الرفع بالابتداء فالظاهر أن يبقى على انفصاله إذ لا وجه لاتصاله واستكنانه إلا من جهة المعنى ولما كان في موضع « كان » جعل متصلا مستكنا تشبيها له باسم « كان » . وإن كان مبتدأ في الحقيقة .
قوله : ( هدى اللّه إلى حكمة الأحكام ) أي أرشدهم إلى كون ما كلف اللّه تعالى عباده به متضمنا لحكمة ومصلحة لا محالة ، وإن لم يهتدوا إلى خصوصية تلك الحكمة بعينها فيتيقنوا بذلك أن السعيد الفائز من أطاع ربه الحكيم وأن الشقي الخاسر من عاند واتبع هواه . ولما بيّن أن متعلق الهداية ما هو أورد قوله : « الثابتين على الإيمان والاتباع » عطف بيان « للذين هدى اللّه للإشارة إلى أن المراد « بالذين هدى اللّه » ما ذكره بقوله تعالى :مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ[ البقرة : 143 ] فإن المراد بقوله :مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَهو من ثبت على الإيمان والاتباع بقرينة ذكره في مقابلة من ينقلب على عقبيه فإنه لا تصح المقابلة إلا باعتبار قيد الثبات لأن المنقلب متبع في الجملة غير مقابل له . ثم إنه تعالى لما عنون الثابتين على الإيمان والاتباع بأنهم الذين هدى اللّه رضي عنهم وتثبيتا لهم على ما كانوا عليه زادهم في التثبيت والترغيب ببيان أنهم مثابون على ذلك الثبات والاتباع وأن ذلك غير ضائع فقال :وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْأي ثباتكم على التصديق بجميع ما جاء به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من عند اللّه تعالى من غير أن يرتابوا في شيء من ذلك . قوله : ( أو صلاتكم إليها ) أطلق الإيمان وأراد به الصلاة مجازا على طريق إطلاق اسم السبب على اسم المسبب . فإن الإيمان سبب لكون الصلاة عبادة معتبرة شرعا إذ لا صحة للعبادات بدون الإيمان وتسمية الشيء باسم سببه شائع في كلام البلغاء . وفي هذا التجوز إشارة إلى أنه تعالى لا يضيع شيئا مما عملوه امتثالا لأمر اللّه تعالى وقصدا لطاعته بل يثيبهم عليه ثوابا جزيلا وإن طرأ عليه النسخ بعد العمل به فإن الصلاة الواقعة عن الإيمان إذا لم تكن ضائعة يفهم منه أن كل عمل واقع عنه لا يضيع . وفي هذا