وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً
إن هي المخففة من الثقيلة ، واللام هي الفاصلة . وقال الكوفيون : إن هي النافية واللام بمعنى إلا ، والضمير لما دل عليه قوله تعالى : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها من الجعلة أو التولية أو التحويلة أو القبلة . وقرىء لكبيرة بالرفع
شرح
قوله : ( إن هي المخففة الخ ) وكلمة « إن » بكسر الهمزة وسكون النون على أربعة أوجه :
شرطية نحو : إن جئتني أكرمتك ، ومخففة من الثقيلة نحوإِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ[ الطارق : 4 ] وفائدتها تأكيد النسبة وتحقيقها وفائدة الأولى بيان أن الجملة مستلزمة للثانية . والوجه الثالث أن تكون للجحد والنفي كما في قوله تعالى :إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ[ الملك : 20 ] وقوله :إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ[ الأنعام : 50 ] وآيات أخرى . وقوله :وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُماأي ما يمسكهما والمخففة من الثقيلة يلزمها اللام في خبرها نحو : إن زيد لأخوكوَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ[ يوسف : 3 ] ووَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ[ الأعراف : 102 ] لتكون عوضا عما حذف منها وللفرق بينها وبين التي للجحد . والوجه الرابع كونها زائدة نحو : ما أن يقوم زيد وما أن رأيت زيدا . والتي في الآية مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي و « إن » الجعلة أو التحويلة كانت كبيرة أي صعبة ثقيلة ، فإذا خففت المكسورة بطل اختصاصها بالأسماء فتدخل الفعل كما في قوله تعالى :وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ[ الأعراف : 102 ]وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ[ يوسف : 3 ] ويغلب عليها الإلغاء وجاء إعمالها على قلة كما في قوله تعالى :وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ[ هود : 111 ] والكوفيون لا يجوزون إعمالها والآية حجة عليهم . وفرق الكسائي بين « إن » مع اللام في الأسماء وبينها مع اللام في الأفعال فجعلها في الأسماء مخففة من الثقيلة وفي الأفعال جعلها نافية وجعل اللام بمعنى الأبناء على أن « إن » المخففة بالاسم أولى نظرا إلى أصلها والنافية بالفعل أولى لأن معنى النفي راجع إلى الفعل وغيره من الكوفيين . قالوا : إنها نافية مطلقا دخلت في الفعل أو في الاسم واللام بمعنى « إلا » وقال البصريون : كون اللام بمعنى الإخلاف الظاهر ولو كانت بمعناها لجاز أن يقال : جاء القوم لزيدا بمعنى إلا زيدا ولا يلزم ما قالوا إذ ربما اختص ببعض المواضع كاختصاص « لما » بالاستثناء بعد النفي . قوله : ( والضمير لما دل عليه قوله تعالى وما جعلنا القبلة ) يعني أن حق الضمير أن يرجع إلى سابق الذكر لفظا أو معنى أو حكما ونحو « الجعلة » أو « الردة » مذكور معنى والقبلة مذكور لفظا وإلى أي منها أعيد ضمير « كأن » يصح المعنى لأن كل واحدة منها صعبة ثقيلة على غير المهديين بحكمة الأحكام . فإن القبلة الناسخة وبجعلها قبلة والتحويل إليها شاقة على من يألف التوجه إلى القبلة المنسوخة فإن الإنسان ألوف لما يتعوده ، ويثقل عليه الانتقال منه إلا على من أنعم اللّه تعالى عليه وعرفه أنه تعالى لا يأمر عباده إلا بما تقتضيه الحكمة كأهل قبا الذين لما أتاهم خبر نسخ القبلة وكانوا في الصلاة حولوا وجوههم