تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
والمؤمنين لكنه أسند إلى نفسه لأنهم خواصه أو لنميّز الثابت من المتزلزل كقوله :
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
[ الأنفال : 37 ] فوضع العلم موضع التمييز المسبب عنه . ويشهد له قراءة
شرح
صدور الطاعة أو العصيان عنه . ثم إذا صار موجودا وصدر عنه ما قدر له من الأفعال فحينئذ تعلق علمه تعالى به من حيث إنه يتصف بما يستحق من الثواب أو العقاب والجزاء منوط بهذا العلم والحادث في الحقيقة إنما هو تعلق العلم الأزلي لا نفس العلم فإنه تعالى يعلم المصنوعات أزلا وأبدا على ما هي عليه وكما استحال تطرق التغير على ذاته تعالى استحال أن يتطرق ذلك أيضا على شيء من صفاته ، كما قال أبو الحسن البصري من المعتزلة من أن علمه تعالى يتغير عند تغير المعلوم ، لأن العلم بكون العالم غير موجود وأنه سيوجد لو بقي حال وجود العالم لكان جهلا واللازم باطل فلم يبق ذلك العلم حال وجود العالم لتغير التعلق لا العلم نفسه ، فإنه قبل وجوده تعلق العلم به بأنه سيوجد وعند وجوده تغير هذا التعلق وحدث تعلق آخر وحدوث التعلق لا يستلزم حدوث علم اللّه تعالى ، ونظيره الإخبار بقوله تعالى :لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ[ الفتح : 27 ] فلما دخلوه انقلب ذلك الخبر إلى هذا من غير أن يتغير الخبر الأول . وتقرير الوجه الثاني أن المراد بالعلم المتفرع على تحويل القبلة ونحوه هو علم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين لكنه تعالى أسند ذلك العلم إلى نفسه إسنادا مجازيا لما اشتهر بين البلغاء من أنهم يسندون فعل بعض خواصهم وأوليائهم إلى أنفسهم تنبيها على كرامتهم ومزيد قربتهم واختصاصهم بهم كما يقول الملك : فتحنا البلد الفلانية ويريد فتحها أولياؤنا ومنه قولهم : فتح عمر رضي اللّه عنه سواد العراق . وتقرير الوجه الثالث أنه ليس من قبيل التجوز في الإسناد بل هو من قبيل التجوز في المفرد على طريق إطلاق اسم السبب على المسبب فإن العلم بالثابت على الاتباع والمنقلب عنه سبب للتمييز ، فقيل : لنعلم الثابت على الاتباع من المنقلب عنه وأريد نميزه من المتزلزل الناكص ، والمراد كل واحدة من الطائفتين عن الأخرى في الوجود العيني من حيث إن إحداهما ثابتة على الاتباع والأخرى منقلبة على عقبها ، فإن تميزها في الخارج من الحيثية المذكورة إنما يكون بعد وجود التحويل وإن كان تميزها بحسب ذاتها حاصلا قبل التحويل فلا وجه لأن يجعل ذلك التميز غاية للتحويل وكذا تمييزهما في علم اللّه تعالى . وأما تمييزهما في علم المخلوق فهو وإن كان حاصلا بعد التحويل إلا أنه غير مسبب عن علم اللّه تعالى فلا وجه لأن يعبر بعلم اللّه تعالى عن التمييز في علم المخلوق . وفي الحواشي السعدية : فإن قيل : إن أريد التمييز في الوجود العيني فهو حاصل قبل التحويل أو في الوجود الفعلي فحاصل في علم اللّه تعالى بل عينه وغير مسبب عن علم اللّه تعالى في علم المخلوق ، فكيف يعبر بعلم اللّه تعالى عن التمييز في علم المخلوق ؟ وأجيب بأن المراد الأول ولا خفاء في أنه لا يكون إلا بعد