تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
فإن قيل : كيف يكون علمه تعالى غاية الجعل وهو لم يزل عالما ؟ قلت : هذا وأشباهه باعتبار التعلق الحالي الذي هو مناط الجزاء ، والمعنى ليتعلّق علمنا به موجودا . وقيل : ليعلم رسوله
شرح
فكأنهم كانوا أيضا فريقين في متابعته عليه الصلاة والسّلام في التوجه إلى الصخرة منهم من تبعه لما وافق هواه ومنهم من تبعه لما علم أنه هو الحق من عند اللّه تعالى بأن أمرهم بالتوجه إلى الكعبة ليتميز من يتبع الرسول ممن يخالفه ويرجع القهقرى . فإن الانقلاب الانصراف يقال : قلبه فانقلب أي صرفه فانصرف . والعقب مؤخر القدم ، والانقلاب على العقبين مستعار للارتداد والرجوع عن الدين الحق إلى الباطل . قوله : ( فإن قيل كيف يكون علمه تعالى غاية الجعل الخ ) يعني أن قولنا : « ما جعلنا قبلتك التي كنت عليها إلا لنعلم كذا » يوهم أن العلم بذلك الشيء لم يكن حاصلا قبل الجعل فباشر جعله ليحصل له ذلك وهذا يقتضي أن يكون علمه تعالى بالأشياء مسبوقا بالجهل وحادثا بحدوث الجعل تعالى شأنه عن ذلك علوا كبيرا . فإنه تعالى كما يعلم في الأزل إلى الأبد ماهيات الأشياء وحقائقها كذلك يعلم جميع الجزئيات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل قبل حدوثها ودخولها في الوجود ، لا كما قال هشام بن الحكم رئيس الرافضة أنه تعالى كان في الأزل عالما بحقائق الأشياء وماهياتها فقط وأما حدوث تلك الماهيات ودخولها في الوجود فهو تعالى لا يعلمها إلا عند وقوعها ، واستدل عليه بمثل قوله تعالى :وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ[ محمد : 31 ] وقوله :فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى[ طه : 44 ] فإن كلمة « لعل » للترجي وقوله :وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ[ آل عمران : 140 ] وقوله :أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ[ آل عمران : 142 ] وقوله :الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً[ الأنفال : 66 ] والمصنف أجاب عن هذه الشبهة بوجوه ثلاثة : تقرير الأول أن العلم المستفاد من الجعل والإيتاء ونحوهما هو العلم المقيد بكونه مناطا للجزاء ومبينا للثواب والعقاب وهو العلم المتعلق بوجود المكلف واتصافه بالطاعة والعصيان بالفعل وهذا العلم غير حاصل في الأزل لأن العلم عبارة عن إدراك المعلوم على الحال التي هو عليها في الواقع ، فلو قلنا : إنه تعالى عالم في الأزل بأن المكلف قد وجد وعصى أو أطاع مع أنه غير موجود في الأزل فضلا عن أن يتصف فيه بما يستحق به الثواب أو العقاب لكنا نصفه بالجهل لأن العلم بالمكلف على الحال الذي هو ليس عليها في الواقع جهل غير مطابق للواقع ، فإن من يعلم الساكن حال سكونه متحركا أو يعلم المتحرك حال حركته ساكنا فهو جاهل بحاله غير عالم بل هو تعالى لا يعلم المصنوعات في الأزل إلا بأنها ستوجد وسيتصف كل واحد منها بما قدر له . وهذا العلم لا يتعلق به الجزاء ضرورة أن مجازاة المكلف لا تكون إلا بعد