وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها
أي الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة فإنّه عليه السّلام كان يصلي إليها بمكة لما هاجر أمر بالصلاة إلى الصخرة تألّفا لليهود أو الصخرة لقول ابن عباس : كأن قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه . فالمخبر به على الأوّل الجعل الناسخ ، وعلى الثاني المنسوخ والمعنى أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة وما جعلنا قبلتك بيت المقدس .
شرح
قوله :شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ[ البقرة : 143 ] ؟ وأجاب عنه بأنها قدمت للدلالة على اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم وليس المراد باختصاص هذه الأمة بشهادة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أنه عليه الصلاة والسّلام لا يشهد في حق غيرهم أصلا ضرورة أنه عليه الصلاة والسّلام يشهد على الأمم المكذبين بتكذيبهم ويشهد لأنبيائهم بالتبليغ لقوله تعالى :فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً[ النساء : 41 ] بل اختصاصهم بشهادته عليه الصلاة والسّلام على سبيل التزكية والتعديل وهو لا ينافي شهادته عليه الصلاة والسّلام بالتبليغ وعلى منكري التبليغ بالتكذيب .
قوله : ( أي الجهة ) يريد أن القبلة مفعول أول « لجعلنا » ، وأن ثاني مفعولي « جعلنا » محذوف و « التي » صفة لذلك المحذوف الذي هو الجهة وليست بصفة للقبلة لأن حذف أحد مفعولي باب علمت من غير أن يقوم مقامه شيء قليل جدا لأن المفعولين معا كاسم واحد ومضمونهما هو المفعول به على الحقيقة . فإذا قلت : علمت زيدا قائما فكأنك قلت : علمت قيام زيد فحذف أحدهما بمنزلة حذف بعض أجزاء الكلمة الواحدة ولا يصار إليه من غير ضرورة ، ولا ضرورة في الآية لصحة أن يجعل الموصول مع صلته مفعولا ثانيا « لجعل » بتقدير موصوف حذف وأقيم الموصول مقامه مع صحة المعنى حينئذ لما ذكره من أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان مأمورا بأن يصلي إلى الكعبة وهو بمكة ثم لما هاجر أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس التي منها تصعد الملائكة إلى السماء ثم أعيد إلى ما كان عليه أولا فبيّن اللّه تعالى بقوله :وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَالآية أن الحكمة في جعل الكعبة قبلة هي امتحان الناس وابتلاؤهم . قوله : ( أو الصخرة ) عطف على قوله : « الكعبة » لما روي أن القبلة التي كان عليه الصلاة والسّلام يتوجه إليها وهو بمكة هي بيت المقدس إلا أنه عليه الصلاة والسّلام كان يجعل الكعبة بين نفسه وبين بيت المقدس حتى كان يقصد أن يتوجه إليهما معا فإن المدينة وقعت بين مكة وبين بيت المقدس على هذا الوضع مكة مدينة مقدس فمتى كان عليه السّلام بمكة وتوجه إلى بيت المقدس تيسر له أن يجعل الكعبة بين نفسه وبين بيت المقدس ، وأما بعد ما هاجر إلى المدينة فلم يتيسر له ذلك لأنه إذا توجه فيها إلى بيت المقدس فبالضرورة تبقى مكة وراءه ومع ذلك صلّى إليه بعدما قدم المدينة ستة عشر شهرا . وقيل :