إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ
إلا لنمتحن به الناس ونعلم من يتبعك في الصلاة إليها ممن يرتد عن دينك آلفا لقبلة آبائه أو لنعلم الآن من يتبع الرسول ممن لا يتبعه وما كان لعارض يزول بزواله . وعلى الأوّل معناه ما رددناك إلى التي كنت عليها إلا لنعلم الثابت على الإسلام ممن ينكص على عقبيه لقلقه وضعف إيمانه .
شرح
سبعة عشر شهرا . ثم حوّل اللّه تعالى وجهه الكريم شطر المسجد الحرام لأن الكعبة كانت معظمة من أول ما بنيت وكانت قبلة إبراهيم ومفخر العرب وأمثالهم فالمراد بقوله : « التي كنت عليها » على هذا الوجه هو بيت المقدس ، وبالقبلة ما كانت قبلة فيما مضى ، وبالجعل الجعل المنسوخ . ويكون المقصود من الآية بيان الحكمة في جعل بيت المقدس قبلة والمعنى حينئذ : إنك الآن على ما ينبغي أن تكون عليه لأن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة وإنما أمرناك قبل وقتك هذا بالتوجه إلى بيت المقدس لمصلحة عارضة وهي أن نمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول منهم ومن لا يتبعه وما كان لعارض يزول بزواله فظهر المراد بقوله : « والمعنى أن أصل أمرك » الخ فإنه معطوف بحسب المعنى على قوله : « وهي الكعبة » كأنه قيل : وعلى الأول معناه كذا وعلى الثاني كذا . ومحصول المعنى على الثاني : وما جعلنا قبلتك الصخرة إلا لنمتحن أهل مكة ومن يحذو حذوهم من العرب ونعلم من يتبعك في الصلاة إليها أي إلى الصخرة ممن يرتد عن دينك إلغاء لقبلة آبائه إبراهيم وإسماعيل ومن بعدهما من الذين يتوجهون في صلاتهم إلى الكعبة . فلأن العرب كانت فرقتين في إستقبالهم إلى بيت المقدس حين ما كانوا يصلون مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة ، منهم من كان مقصوده مجرد اتباع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أينما توجه ومنهم من كان اتباعه له عليه الصلاة والسّلام في التوجه إلى بيت المقدس من حيث كونه متضمنا لاتباع هواه الذي هو التوجه إلى الصخرة . ووجه كونه متضمنا لاتباع هواه ما ذكر من أنه عليه الصلاة والسّلام كان يصلّي في مكة متوجها إلى الصخرة بأن يجعل الكعبة بين نفسه وبينها ، والفريق المذكور يتابعه عليه الصلاة والسّلام في التوجه إليها من حيث تضمنه ما يوافق هواه من التوجه إلى الكعبة لا من حيث كونه معتقدا بأنه هو الحق من عند اللّه تعالى فامتحنهم اللّه تعالى بأن أمر كافة الناس بالتوجه إلى الصخرة وإن استلزم ذلك استدبار الكعبة ليتميز من يتبع الحق ممن يتبع الهوى وهذا على تقدير أن يكون المراد بالناس الممتحنين أهل مكة وأشباههم من العرب ممن يألفون قبلة آبائهم . وعلى تقدير أن يراد بهم أهل المدينة وأشباههم ممن يألفون قبلة أنبيائهم يكون المعنى ما أشار إليه بقوله : « أو لنعلم » أي بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة . وتقديره : وما جعلنا قبلتك بيت المقدس إلا لنعلم بصرفك عنها إلى الكعبة من يتبعك في أمر تحويل القبلة بأن يترك التوجه إلى بيت المقدس ويتوجه إلى الكعبة ممن لا يتبعك في ذلك من أهل المدينة ومن يحذو حذوهم .