فيشهدون فتقول الأمم : من أين عرفتم ؟ فيقولون : علمنا ذلك بإخبار اللّه تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق . فيؤتى بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم فيسأل عن حال أمته فيشهد بعدالتهم .
وهذه الشهادة وإن كانت لهم لكن لما كان الرسول عليه السّلام كالرقيب المهيمن على أمته عدّي ب « على » ، وقدمت الصلة للدلالة على اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم .
شرح
إلزاما للمنكرين وإقامة للحجة عليهم . فإن شهادة العدول حجة ملزمة للخصم ومثبتة للدعوى وهذه الأمة بالنسبة إلى سائر الأمم كالعدول بالنسبة إلى الفاسق فلذلك يقبل اللّه تعالى شهادتهم على سائر الأمم إظهارا لعدالتهم وكشفا لفضيلتهم . فظهر أن الآية تدل على أن شهادة المسلمين مقبولة على الكفرة وأن شهادة الكفرة على المسلمين مردودة لأنها لو قبلت شهادة الكفرة على المسلمين كما قبلت شهادة المسلمين على الكفرة لوقع التعارض والتدافع لأنه إذا قبلت شهادة المسلمين بأن الأنبياء بلغوا رسالتهم ثم قبلت شهادة الكفرة بأنهم لم يبلغوا وما جاءهم من بشير ولا نذير لتعارضت الشهادتان فتزول منفعة شهادة المسلمين عليهم باندفاع تلك الشهادة بشهادة الكفرة . والآية نطقت بأنه تعالى من على هذه الأمة أولا بقبول شهادتهم على الأمم المكذبين وثانيا بجعلهم مشهودا لهم بالتزكية والتعديل خصوصا من هذا الرسول العظيم القدر صلّى اللّه عليه وسلّم . قوله : ( وهذه الشهادة وإن كانت لهم ) يعني أن الشاهد إذا ضر بشهادته عديت الشهادة بكلمة « على » وإذا نفع بها تعدى باللام فيقال في الأولى : شهد عليه وفي الثانية شهد له . والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لما زكّى أمته وعدلهم بشهادته فقد انتفعوا بها . فالظاهر أن يقال : ويكون الرسول لكم شهيدا بخلاف شهادة هذه الأمة على الناس المنكرين للتبليغ فإنها شهادة عليهم حيث استضروا بها فكلمة على « فيها » واقعة في موضعها فلا تحتاج إلى التأويل بخلاف قوله :« عَلَيْكُمْ شَهِيداً »فإنه يحتاج إلى التأويل . وتأويله أن كلمة « على فيه » ليست صلة للشهادة كما في قولهم « شهد على المنكر » بل هي مبنية على تضمين الشهيد معنى الرقيب والمطلع فعدى تعديته ، والوجه في اعتبار التضمين الإشارة إلى أن التعديل والتزكية إنما يكون عن خبرة ومراقبة بحاله الشاهد فإذا شهد منه الرشد والصلاح في الخلوات عدله وزكاه وأثنى عليه وإلا سكت عنه . قال حجة الإسلام : الرقيب هو العليم الحفيظ فمن راعى الشيء ولم يغفل عنه ولاحظه ملاحظة لازمة دائمة بحيث لو عرفه الممنوع عنه لما قدم عليه سمّي رقيبا ، والمهيمن كل مشرف على كنه الأمر مستول عليه حافظ له والإشراف يرجع إلى العلم ، والاستيلاء يرجع إلى كمال القدرة ، والحفظ يرجع إلى العقل ، والجامع بين هذه المعاني اسم المهيمن . قوله : ( وقدمت الصلة ) جواب عما يقال : لم قدمت الصلة على الشهادة مع أن حق المعمول أن يؤخر عن عامله كما أخر في