تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
أي لتعلموا بالتأمل فيما نصب لكم من الحجج وأنزل عليكم من الكتاب أنه تعالى ما بخل على أحد وما ظلم بل أوضح السّبل وأرسل الرّسل فبلّغوا ونصحوا ، ولكن الذين كفروا حملهم الشقاء على اتباع الشهوات والإعراض عن الآيات فتشهدون بذلك على معاصريكم وعلى الذين قبلكم وبعدكم . روي أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء فيطالبهم اللّه ببيّنة التبليغ وهو أعلم بهم إقامة للحجة على المنكرين ، فيؤتى بأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
شرح
التي تؤم جهة واحدة ولا شك أن أهل كل عصر كذلك ولأن قوله تعالى :أُمَّةً وَسَطاًنكرة فيتناول كل عصر . قوله : ( أي لتعلموا بالتأمل الخ ) لما كانت الشهادة عبارة عن الإخبار الصادر عن علم ويقين بالشيء المخبر عنه ، وكانت الشهادة لا بد فيها من مشهود له ومن مشهود عليه بيّن أن المراد بالناس المشهود عليهم في هذه الآية جميع من أنكر إرسال الرسل وتبليغ الرسالة بقولهم :ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ[ المائدة : 19 ] حتى سئلوا بأن قيل لهم : ألم يأتكم نذير سواء كانت الجماعة معاصرين للشهداء أو كانوا قبلهم أو بعدهم ، فإن قوله : « روي » الخ بيان وتوضيح لقوله : فتشهدون بذلك على معاصريكم وعلى الذين قبلكم فإذا أنكر الأمم تبليغ الرسل وكذبهم الرسل وقالوا : قد بلغناهم ونصحناهم يطالب اللّه تعالى بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم ، فيؤتى بهذه الأمة فيشهدون للأنبياء على أممهم الذين كذبوهم بالتبليغ والإنذار لعلمهم بما نصب لهم من الحجج العقلية وأنزل لهم من الكتاب الذي وصفه اللّه تعالى بقوله :ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ[ الأنعام : 38 ] وقوله :وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ[ النحل : 89 ] وأنه تعالى حكيم عادل لا يظلم بأن يعاقب من لم يصدر منه المخالفة والعصيان وجواد رؤوف لا يبخل ببيان ما يسعد العباد وما يشقيهم وما لهم وما عليهم في كل باب ، بل شأنه بمقتضى سبق رحمته غضبه أن يوضح السبل ويرسل الرسل وشأن الرسل التبليغ والإنذار ومن أنكر ذلك فهو بهات مفتر عليهم قد أعرض عما جاءه من الهدى وآثر الحياة الدنيا وما فيها من الشهوات المؤدية إلى الردى . ومن علم ذلك فقد شهد على من في زمانه وعلى من قبله ومن بعده حتى على نفسه أيضا كما قال تعالى :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ[ النساء : 135 ] والقيام بالقسط مراعاة العدل فيما بينه وبين الناس وفيما بينه وبين اللّه تعالى في حق نفسه أيضا فظهر بهذا التقرير أن هذه الشهادة تكون في الآخرة وأن المشهود لهم والمشهود عليهم الأمم المكذبون . قوله : ( إقامة للحجة على المنكرين ) يعني ليس المقصود من مطالبته بالبينة أن يستفيد من الشهداء علما بذلك التبليغ لأن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات وليس شيء من معلومه مستفادا من غيره إلا أنه تعالى لم يحتج عليهم بعلمه بذلك بل طلب البينة ممن يدّعي التبليغ
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 351 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين