لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
علة للجعل
شرح
باطل بناء على أن خطأهم في الاجتهاد ، فإن الخطأ في الاجتهاد ليس بعصيان لا من الكبائر ولا من الصغائر بل المجتهد مأجور . وإن أخطأ ورد أيضا بأنه كيف يحكم بعدالة جميع الأمة وهم الأمة المعصومون مع أنه لا قطع بعدم عدالة كل واحد منهم ؟ فلا بد أن يكون المراد بالأمة المجعولة وسطا بعض الأمة وهم الأمة المعصومون ، وعدالة بعضهم كيف تستلزم أن إجماع جميعهم حجة ؟ وأجيب عنه بأن قوله :جَعَلْناكُمْخطاب لمجموعهم وعدالة المجموع لا تستلزم عدالة كل واحد منهم وحده بل يكفي عدالة واحد منهم ، فإنه إذا وجد فيما بينهم من يكون وسطا عدلا وكنا لا نعلمهم بأعيانهم بل علمنا إجماع جملتهم أي اشتراكهم في الاعتقاد والقول والفعل الدالين على الاعتقاد واشتراك بعضهم في القول والفعل الدالين عليه ، فقد علمنا دخول العدول المعصومين في جملتهم وأن ما أجمعوا عليه حق مطابق للواقع . وقيل عليه أيضا : علمنا أنه تعالى عدلهم لكنه تعالى بيّن أن اتصافهم بذلك إنما يكون لكونهم شهداء على الناس ، ومعلوم أن هذه الشهادة إنما تتحقق في الآخرة فاللازم منه أن تتحقق عدالتهم في الآخرة لأن عدالة الشهود اسما تعتبر وقت أداء الشهادة لا وقت تحملها . ولا نزاع في أن كل أمة وكل واحد من آحادها يصير معصوما في الآخرة ولا يلزمه كونه كذلك في الدنيا حتى يكون إجماعهم في الدنيا حجة . وأجيب عنه بأن الآية نزلت لبيان مزية هذه الأمة على سائر الأمم وعلى تقدير أن يكون المراد بعدالتهم كون إجماعهم في الدنيا حجة فإنهم لما كانوا في الآخرة يعدون عدولا وجب أن يكون المراد عدهم فيها عدولا والعدل حقيقة هو المستحق للشهادة أو قبولها .
وكان أهل كل عصر شاهدا على من بعده فقول الصحابة حجة وشاهد على التابعين ، وقول التابعين على من بعدهم وهكذا إلى قيام الساعة فإن قيل : قوله تعالى :وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً[ البقرة : 143 ] خطاب لجميع الأمة أولها وآخرها من كان منهم موجودا وقت نزول هذه الآية ومن جاء بعدهم إلى يوم القيامة كما أن قوله تعالى :كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ[ البقرة : 178 ] وكُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ[ البقرة : 183 ] يتناول جميع الأمة ولا يختص بالموجودين وقت النزول وكذلك سائر تكاليف اللّه تعالى وأوامره وزواجره خطاب لجميع الأمة إلى قيام الساعة . والحكم بعدالة الجميع واستحقاقهم لأداء الشهادة وقبولها لا يستلزم عدالة أهل كل عصر حتى يكون إجماعهم حجة وشاهدا على من بعدهم . وأجيب عنه بأنه تعالى لو جعلهم شهداء على الناس واعتبر أول الأمة وآخرها بمجموعها وجعلوا شهداء على غيرهم لزالت الفائدة لأنه حينئذ لا يثبت مشهود عليه إلى قيام الساعة فعلمنا أن المراد بالأمة الوسط أهل كل عصر . ويجوز تسمية العصر الواحد بالأمة لأن الأمة اسم للجماعة