تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
الواحد والجمع والمذكر والمؤنث كسائر الأسماء التي وصف بها . واستدل به على أن الإجماع حجّة إذ لو كان فيما اتفقوا عليه باطل لانثلمت به عدالتهم .
شرح
الناطقة ليكون المتفرع عليها على مقتضى الحكمة ، وإفراطها الخلاعة أي الانهماك في استيفاء اللذات المنهية ، وتفريطها الجمود أي السكون عن طلب اللذات المرخصة شرعا وعقلا . فالأوساط فضائل والأطراف رذائل ، وإذا امتزجت الفضائل الثلاث حصلت حالة متشابهة هي العدالة ، وبهذا الاعتبار عبر عن العدالة بالوساطة . ثم إنه تعالى علل جعل هذه الآية وسطا بالمعنى المذكور بقوله :لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ[ البقرة : 143 ] فدل ذلك على أنه لا يشهد إلا العدول الأخيار ولا ينفذ قول الغير إلا أن يكون عدلا معتدل القوى مهذب الظاهر والباطن ، ثم عطف عليه قوله :وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً[ البقرة : 143 ] أي جعلناكم كذلك لأن تشهدوا على الناس ولأن يكون الرسول مزكيا لكم شاهدا بعدالتكم . قوله : ( كسائر الأسماء التي وصف بها ) فإن الأسماء إذا وقعت صفة للمؤنث لا تلحق بها علامة التأنيث ولا تجمع ولا تثنى إذا وصف بها المثنى أو المجموع بل يستوي الجميع فيها . والوسط لما كان في الأصل اسما للمكان المعين ثم وصف به الأمة وهي مؤنثة لفظا وجمع معنى ، روعي فيه أصل أسميته فسوى فيه الأمور المذكورة . وأما إذا عرضت الوصفية على الاسم وخرج عن عداد الأسماء فحينئذ تلحقه التاء رعاية لجانب الوصفية ، فإن الصفات تلحقها التاء كقوله عليه الصلاة والسّلام : « وانطوا السبيحة » والإنطاء بلغة أهل اليمن الإعطاء . فإنه عليه الصلاة والسّلام كان يكلم كل طائفة بلغتهم . والسبيح في الأصل اسم لما بين الكاهل إلى الظهر ، ثم غلب عليه الوصفية واستعمل فيما يكون متوسطا بين الخيار والرذالة . وقيل : سبيح كل شيء وسطه بحسب الأوصاف . فمعنى الحديث أعطوا الوسط في الصدقة لا من خيار المال ولا من رذائله . وألحقت تاء التأنيث بالسبيح لانتقاله عن الاسمية إلى الوصفية العارضة . قوله : ( واستدل به على أن الإجماع حجة ) قال المصنف في أصوله المسمى بالمنهاج : والإجماع حجة لقوله تعالى :وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً[ البقرة : 143 ] فإنه تعالى عدل هذه الأمة والعدالة في ارتكاب المحرمات فتجب عصمتهم من الخطأ قولا وفعلا وصغيرة وكبيرة فإن جميع ذلك ذنب وما عدله اللّه تعالى يجب أن يكون معصوما من جميع الذنوب سواء كان بترك الواجب أو إتيان المحرم ، لأن خبر اللّه تعالى صادق لا محالة والخبر يقتضي حصول المخبر عنه . وإذا ثبت عصمتهم من المحرمات بأسرها وجب أن لا يتفقوا على باطل وإلا لانثلمت عدالتهم أي لاختلت وانقضت . فإن الثلمة الخلل في أي شيء كان يقال : ثلمت الإناء فانثلم أي كسرته فانكسر . ورد هذا الاستدلال بأن عدالة الجميع إنما تقتضي عصمتهم من ارتكاب المعصية أو الحرام ، وهي لا تنافي أن يكون فيما اتفقوا عليه
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 349 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين