مزكّين بالعلم والعمل . وهو في الأصل اسم المكان الذي يستوي إليه المساحة من الجوانب ثم استعير للخصال المحمودة لوقوعها بين طرفي إفراط وتفريط كالجود بين الإسراف والبخل ، والشجاعة بين التّهوّر والجبن . ثم أطلق على المتصف بها مستويا فيه
شرح
والوسط في الآية لما وقع صفة لأمة ولم يكن مستعملا في أصل معناه لا جرم فسره بما يصح أن يوصف فقال : أي خيارا لأنه تعالى جعل هذه الأمة خيرا في قوله تعالى :كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ[ آل عمران : 110 ] ثم قال : « أو عدولا » لما روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه فسر وسطا في هذه الآية بقوله : « عدلا » . وقال الراوي : هذا حديث حسن صحيح ولقول زهير :همو وسط يرضى الإمام بحكمهم * إذا نزلت إحدى الليالي بمعدلفإن الظاهر أن الوسط فيه بمعنى العدول . قوله : ( مزكّين بالعلم والعمل ) أي مطهرين عن دنس الجهل والعصيان بالتحلي بالفضائل العلمية والأعمال الصالحة ، فإن لفظ الوسط لما كان مستعارا للخصال المحمودة تشبيها لها بالوسط الحقيقي الذي هو المكان المذكور من حيث وقوعها بين طرفي إفراط وتفريط ، كوقوع ذلك المكان بين الجوانب أطلق على من اتصف بالخصال المحمودة مجازا مرسلا في الدرجة الثانية على طريق تسمية المحل باسم الحال والموصوف باسم الصفة ، ولا يكون المحل متصفا بالخصال الحميدة إلا بكونه متحليا بالأعمال الصالحة ، ولا يكون متحليا إلا بكونه متصفا بالفضائل العلمية ولا شك أن من كان مزكى بالعلم والعمل جامعا بينهما يكون خيرا أو عدلا فلذلك فسر الوسط في الآية بالخيار والعدول . والظاهر أن المراد بالعمل ما يعم أعمال الجوارح ومرضيات الأخلاق القلبية لأنها من جملة الخصال الحميدة ولتمثيلها بالجود والشجاعة ، فإنه تعالى أبدع تركيب الإنسان وجعله مشتملا على ثلاث قوى : إحداها مبدأ إدراك الحقائق ، والثانية مبدأ وجوب المنافع ، والثالثة مبدأ الإقدام على الأهوال العظام والشوق إلى الترفع عن الآثام . وتسمى الأولى بالقوة النطقية ويحدث من اعتدالها الحكمة ، والثانية بالقوة الشهوية ويحدث من اعتدالها العفة ، والثالثة بالقوة الغضبية ويحدث من اعتدالها الشجاعة . وهذه الأخلاق الثلاثة أي الحكمة والعفة والشجاعة هي أمهات الفضائل وما سواها متفرع عليها وكل واحدة منها كيفية متوسطة بين طرفي إفراط وتفريط هما رذيلتان . أما الحكمة فهي معرفة الحقائق على ما هي عليه بقدر الطاقة البشرية ، وإفراطها الجربزة وهي استعمال الفكر فيما لا ينبغي كالمشتبهات ، وتفريطها الغباوة وهي تعطل القوة الفكرية بالكلية . وأما الشجاعة فهي انقياد القوة السبعية الناطقة في الأمور ليكون إقدامها على حسب الروية والحكمة ، وإفراطها التهور أي الإقدام على ما لا ينبغي ، وتفريطها الجبن أي الحذر في غير موضعه . وأما العفة فهي انقياد الشهوة البهيمية