المستقيم أو جعلنا قبلتكم أفضل القبل .
جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
أي خيارا أو عدولا
شرح
لغة العرب وغيرهم . ثم قال : هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام . انتهى كلامه . فعلى ما اختاره يكون تخصيص لفظ « ذلك » للإشارة إلى تفخيم شأن المشار إليه تنزيلا لرفعة شأنه وعلو درجته منزلة بعد المسافة . والمعنى : جعلناكم أمة وسطا مثل هذا الجعل العجيب العلي القدر . والكاف منصوب المحل على أنه صفة مصدر محذوف . ولما ورد عليه أن يقال : إن هذا التوجيه يستلزم تشبيه الشيء بنفسه فما الوجه فيه ؟ أشار إلى جوابه بأن الكاف في الحقيقة مقحم للمبالغة فإنه تعالى أخبر أولا أنه جعلهم خير الأمم وفخم شأن هذا الجعل بأن أشار إليه بلفظ ذلك الموضوع للإشارة إلى البعيد وأقحم لفظ الكاف الموضوع للتشبيه والتنظير للمبالغة في التفخيم المذكور كأنه جرد من الجعل المذكور جعلا آخر مثله في فخامته ، وشبهه بالجعل المذكور قصدا للمبالغة في تفخيم شأنه . ومثل هذا الإقحام لا يختص بلغة العرب بل يكون في غيرها أيضا كما يقال بالفارسية : همچنين كرديم وهمچنين ميكنيم ، فإن لفظ أين فيهما إشارة إلى الفعل المذكور بعده ولفظ التشبيه مقحم للمبالغة المذكورة لا للتشبيه . حقيقة هذا ما فهمته من مراد النحرير ولم يرض المصنف بهذا التوجيه بل اختار أن يكون لفظ ذلك إشارة إلى الجعل المفهوم من الآية المتقدمة ويكون كاف التشبيه لتشبيه هذا الجعل به في فخامة الشأن والجعل المشبه به جعلهم مهديين إلى الصراط المستقيم وفخمه بأن بيّن أن السبب الموجب للتوجه إليها والإعراض عن القبلة الأولى هو الهداية المسندة إلى اللّه تعالى . فإن السفهاء لما طعنوا بقولهم :ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ[ البقرة : 142 ] جيء بقوله :يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ[ البقرة : 142 ] جوابا له وجعل قوله :لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ[ البقرة : 142 ] توطئة لهذا الجواب كأنهم قالوا : أي شيء ولّاهم عن قبلتهم ؟
فأجيبوا بأن قيل لهم : هداية اللّه تعالى هي التي صرفتهم عن القبلة الأولى وشرفتهم بالتوجه إلى القبلة الثانية ، وهذا التوجه هو الصراط المستقيم . والمصنف اختار هذا التوجيه بناء على أن ما اختاره المحقق التفتازاني لا يخلو عن تكلف من حيث كونه محوجا إلى جعل الكاف مقحما مع صحة إبقائه على أصل وضعه وأن ارتباط الآية بما قبلها يفوت على ما اختاره المحقق لا على ما اختاره المصنف .
قوله : ( أي خيارا ) جمع خير وهو ضد الشر . وفي الصحاح : الخيار خلاف الأشرار ، والخيار الاسم من الاختيار . يعني أنه قد يكون جمع خير الذي هو أفعل التفضيل ، وقد يكون اسما مفردا للمصدر ، ولما كان الوسط في الأصل اسما لمكان معين تستوي إليه المساحة من جميع الجوانب في المدور كالنطقة من الدائرة أو من الطرفين في المستطيل كلسان الميزان من عموده ، بخلاف الوسط بالسكون فإنه اسم لداخل الدائرة أو الدار مثلا .