تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
لا يختص به مكان دون مكان لخاصيّة ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه ، وإنما العبرة بارتسام أمره لا بخصوص المكان .
يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى
شرح
إذا سمع ذلك منهم ابتداء ، فإن مفاجأة المكروه أشد على النفس من وروده على التدريج . والثانية إعداد الجواب قبل الحاجة إليه فإنه أقطع لكلام الخصم وأدخل في إسكاته ورد جداله . فلما أخبر اللّه تعالى أولا بأنهم سيقولونه وبيّن جواب ذلك مع ذلك الإخبار كان الجواب حاضرا عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيجيب به عندما سمع ذلك القول المنكر منهم . وهذا أدفع لكلامهم مما إذا سمعه ولا يكون الجواب حاضرا عنده مع أنه عليه الصلاة والسّلام إذا أخبر عن ذلك قبل وقوعه كان ذلك إخبارا عن الغيب فيكون معجزة له . ومن أمثال العرب قولهم : قبل الرأي مرامي السهم يضربونه في تهيئة الآلة قبل الحاجة إليها . وقيل : قوله تعالى :سَيَقُولُبمعنى « قال » لما روي عن ابن مسعود وغيره رضي اللّه عنهم أن الآية نزلت بعد قولهم إلا أنه جعل لفظ المستقبل في موضع الماضي للدلالة على استدامتهم ذلك القول المنكر واستمرارهم عليه فيما بعد فلا يكتفون بما قالوه قبل نزول الآية . و« ما »في« ما وَلَّاهُمْ »استفهامية مرفوعة المحل على الابتداء و« وَلَّاهُمْ »خبره . والجملة في موضع النصب بالقول يقال : تولى عن ذلك أي انصرف وولاه غيره أي صرفه . والقبلة فعلة ، وقد اشتهر أن الفعلة للمرة والفعلة للحالة كالجلسة والقعدة نقلت في عرف الشرع إلى الجهة التي يستقبلها الإنسان وهي من المقابلة وسميت قبلة لأن المصلي يقابلها وهي تقابله . قوله : ( لا يختص به مكان ) أشار إلى أن قوله تعالى :لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُمعناه أن الأمكنة كلها والنواحي بأسرها للّه تعالى ملكا وتصريفا فلا يستحق شيء منها لذاته أن يكون قبلة حتى يمتنع إقامة غيره مقامه وشيء من الجهات إنما يصير قبلة لمجرد أن اللّه تعالى أمر بالتوجه إليه فله أن يأمر كل وقت بالتوجه إلى جهة من تلك الجهات على حسب ألوهيته ونفاذ قدرته ومشيئته . فإنه لا يسأل عما يفعل بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فاللائق بالمخلوق أن يطيع خالقه ويأتمر بأمره من غير أن يتحرى خصوصية في المأمور به زائدة على مجرد كونه مأمورا به ، فإن الطاعة ليست إلا بارتسام أمره أي امتثاله لا بتحري العلل والأغراض الداعية له تعالى في الأمر لأن أحكام اللّه تعالى وأفعاله ليست معللة بالدواعي والأغراض . وليس معناه أن المشرق والمغرب بخصوصهما له تعالى حتى يقال إن جميع الأعيان والأعراض والجنوب والشمال له تعالى ملكا وملكا فما وجه تخصيصهما بالذكر ؟ ولعل الوجه في التعبير عن جميع النواحي والأطراف بالمشرق والمغرب أن الشمس بحسب اختلاف حركاتها وتبدل مطالعها ومغاربها متناولة لأكثر النواحي والجهات فأقيم الأكثر مقام الكل .