وفائدة تقديم الإخبار به توطين النفس وإعداد الجواب .
ما وَلَّاهُمْ
ما صرفهم .
عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها
يعني بيت المقدس . والقبلة في الأصل الحال التي عليها الإنسان من الاستقبال فصارت عرفا للمكان المتوجّه نحوه للصلاة .
شرح
المبرد مصلحة له في تلك الحالة . وأما المشركون والمنافقون فإنما قالوا ذلك من حيث إنهم أعداء الدين والأعداء مجبولون على القدح والطعن فإذا وجدوا مجالا لم يتركوا مقالا البتة ، فمنهم من يقول : ما بالهم كانوا على قبلة ثم تركوها ؟ مع أن الجهات لما كانت متساوية في جميع الصفات كان تحويل القبلة من جهة إلى جهة مجرد العبث فلا يكون ذلك من فعل الحكيم . وقال المنافقون : ما بالهم كانوا على قبلة ثم تركوها ؟ وقال آخرون : اشتاق الرجل إلى بلد أبيه ومولده فلذلك توجه إليه . وقال آخرون : تحير في دينه حيث لم يثبت على دين .
وقال بعضهم : رجع إلى قبلة قومه وسيرجع إلى دينهم . وقال الزجاج : كفار قريش أنكروا تحويل القبلة قالوا : اشتاق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إلى مولده وعن قريب يرجع إلى دينكم . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : لما حولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة جاءت جماعة من أشراف اليهود وقالوا : يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها ؟ فكن على بيت المقدس نتبعك ونصدقك . وأرادوا بذلك فتنة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فسماهم اللّه تعالى سفهاء لأنهم كانوا نوافل إبراهيم والكعبة بناؤه وقبلة إسماعيل ومع ذلك رغبوا عنها . قيل : كان موسى عليه الصلاة والسّلام يصلي إلى الصخرة نحو الكعبة فهي قبلة الأنبياء كلهم صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ، واليهود استقبلوا جهة المغرب واتخذوها قبلة اتباعا لهوى أنفسهم حيث زعموا أن موسى عليه الصلاة والسّلام كان في المغرب حين ما أكرمه اللّه تعالى بوحيه وكلامه كما قال تعالى :وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ[ القصص : 44 ] والنصارى أيضا اتخذوا جهة المشرق قبلة اتباعا لهم حيث زعموا أن مريم عليهاالسّلام حين خرجت من بلدها مالت إلى الشرق كما قال تعالى :وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا[ مريم : 16 ] والمؤمنون استقبلوا الكعبة طاعة للّه تعالى وامتثالا لأمره لا ترجيحا لبعض الجهات المتساوية على البعض الآخر بمجرد رأيهم واجتهادهم مع أنها قبلة خليل اللّه تعالى ورسوله ومولد حبيبه صلوات اللّه وسلامه عليهما . وقيل : استقبلت النصارى مطلع الأنوار ، وقد استقبلنا مطلع سيد الأنوار وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الذي من نوره خلقت الأنوار جميعا .
قوله : ( وفائدة تقديم الإخبار به توطين النفس وإعداد الجواب ) يريد أن قوله تعالى :سَيَقُولُ السُّفَهاءُالخ إخبار بقولهم ذلك قبل أن يقولوه ، وأن الإخبار به قدم على وقوعه لفائدتين :
الأولى أن يكون توطينا للنفس فإنه تعالى إذا أخبر أنهم سيذكرون هذا القول المكروه قبل صدوره منهم ثم سمع ذلك منهم يكون تأذي النفس وتأثرها من ذلك الكلام المكروه أقل مما