عليه الصلاة والسّلام بالنبوة في كتبهم وغيرها . و « من » للابتداء كما في قوله تعالى :
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
[ التوبة : 1 ]
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
( 140 ) وعيد لهم وقرىء بالياء .
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
( 141 ) تكرير للمبالغة في التحذير والزجر عما استحكم في الطباع من
شرح
الوجه الثاني تعريض لمن تحقق منه كتمان شهادة اللّه تعالى أي شهادة كانت وليس في الوجه الأول تعريض لأن الآية حينئذ تصريح بتوغل كاتم شهادة اللّه تعالى في الظلم . قوله :
( وغيرها ) منصوب معطوف على الشهادة الواقعة في حقه عليه الصلاة والسّلام خاصة فإن المفروض في حق المسلمين هو كتم ما علموه من شهادة اللّه تعالى مطلقا ، فيكون تعريضا لمن تحقق منه كتمان شهادة صادرة من اللّه تعالى . قوله : ( وعيد لهم ) من حيث إن المعنى أنه تعالى يجازيكم على ذلك ولا يترك أمركم سدى . والظاهر أن لفظة « ما » فيعَمَّا تَعْمَلُونَموصولة مناسبة لجميع ما يكتسب بالجوارح الظاهرة والقوى الباطنة ويدخل فيه كتمان شهادة اللّه تعالى دخولا أوليا إذ علمه تعالى محيط بجميع ذلك ، وأنه يجازيه على حسب ذلك إن خيرا فخير وإن شرا فشر فكيف مع الخوف والحذر في الأوقات كلها ؟ قوله :
( وقرىء بالياء ) على أن يكون هذا الكلام ابتداء وعيد من اللّه تعالى . وإن قرىء بتاء الخطاب يكون من جملة مفعول« قُلْ »في قوله :قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ .قوله : ( تكرير للمبالغة في التحذير ) يعني أن هذه الآية نزلت سابقا بعد أن رد اللّه تعالى قول اليهود في ادعاء اليهودية على يعقوب عليه السّلام وأنهم مقتدون به فيها بقوله :أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ[ البقرة : 133 ] ثم كررت ههنا للمبالغة في التحذير والزجر عن الافتخار بالآباء والاتكال عليهم ، فإن قولهم ذلك لما تضمن الافتخار والاتكال المذكورين زجرهم اللّه تعالى عن ذلك بقوله :تِلْكَ أُمَّةٌالآية فكأنه قيل : إن الأمر سواء كان على ما قلتم أو لم يكن فليس لكم ثواب فعلهم ولا عليكم عقابه ، وليس رشدكم وفلاحكم إلا في اتباع البرهان المؤدي إلى ثواب الجنان والتجنب عن سلوك سبيل الخذلان والخلود المؤبد في عذاب النيران . وتكريرها ههنا كالتكرير في قوله تعالى :كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ[ التكاثر : 3 ، 4 ] فإن التكرير فيه لتأكيد الإنذار وفي ثم دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ وأشد وهذا التوجيه إنما يحتاج إليه إذا كان المراد بالأمة في الآيتين أمة واحدة وكان الخطاب الواقع فيهما متوجها إلى جماعة واحدة ، فإن التكرير فيه حينئذ يتحقق ويحتاج إلى بيان وجهه ، وأما إذا انتفى أحد الأمرين كما قيل فلا تكرير ولا توجيه .