الافتخار بالآباء والاتكال عليهم . وقيل : الخطاب فيما سبق لهم . وفي هذه الآية لنا تحذيرا عن الاقتداء بهم . وقيل : المراد بالأمة في الأول الأنبياء ، وفي الثاني أسلاف اليهود والنصارى .
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ
الذين خفّت أحلامهم واستمهنوها بالتقليد والإعراض عن النظر . يريد به المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين ،
شرح
قوله : ( الذين خفّت أحلامهم ) أي عقولهم واستمهنوها أي استحقروها وجعلوها مهينا أي حقيرا ذليلا . فإن بناء استفعل قد يكون للتعدية نحو : استحسنه واستضعفه . والسفيه هو الخفيف إلى ما لا يجوز له أن يخف إليه المسارع إلى قبول الشيء ورده بمجرد الاتباع لوهمه وهواه . والمراد بالسفهاء ههنا اليهود كما روي عن ابن عباس والبراء بن عازب . وقال الحسن : هم مشركو العرب . وقال السديّ : هم المنافقون . ولا تنافي بين هذه الأقوال لأن كل واحد من هؤلاء الفرق سفهاء طعنوا في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة فالظاهر إبقاء اللفظ على عمومه . وقد وصف اللّه تعالى هؤلاء الفرق بالسفاهة في قوله :وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ[ البقرة : 130 ] أي أذلها بالجهل والإعراض عن النظر فإنه لا شك أن كل فرقة منهم راغبون عن ملة إبراهيم فيكونون سفهاء بشهادة اللّه تعالى فكأنه قال ههنا : هؤلاء الراغبون عن ملة إبراهيم سيقولون عند إيجاب التوجه شطر المسجد الحرام ما حولهم وصرفهم عن قبلتهم التي كانوا على التوجه إليها وهي بيت المقدس ولم انصرفوا منها إلى الكعبة ؟ قاله اليهود بناء على أنهم لا يرون نسخ الشرائع والأحكام لما زعموا أن نسخها بمعنى البداء والرجوع عنها بداء ، وذلك محال في حق اللّه تعالى لعلمه بعواقب الأشياء أجمع . والبداء والرجوع في الشاهد مبني على الجهل بالعواقب كمن بنى بناء ثم نقضه بما يبدو ويظهر له أنه مخطىء وغالط في الغرض الذي بنى بناءه عليه . واليهود إنما قالوا ذلك وذهبوا إلى امتناع أن ينسخ اللّه تعالى حكما مما شرعه أولا لجهلهم بتفسير النسخ وحده ، ولو عرفوا ما النسخ لما نفوا ذلك وما قالوا باستحالته على اللّه تعالى . فإن النسخ عبارة عن انتهاء الحكم إلى وقت معين لانتهاء المصلحة التي شرع الحكم لها وبيان حكم جديد لمصلحة أخرى في وقت آخر مع بقاء الحكم الأول مشروعا ومصلحة وقت كونه مشروعا . وليس فيه ما فهمته اليهود من البناء والنقض لما مضى كالبناء الذي وصفوه بل نظير النسخ في الشاهد أمر الطبيب مريضا غلبت الصفراء والحرارة عليه بشرب المبردات القاطعة للصفراء ، ثم إنه متى علم بسكون الصفراء والحرارة واعتدال طبعه نهاه عن ذلك وأمره بالمعتدل من الشراب . فإن ذلك لم يكن منه بداء عما أمره في الوقت الأول وإبطالا ونقضا له بل بيان أن المصلحة في ذلك الوقت ذاك ، وفي الحالة الثانية هذا مع بقاء