قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا
أتجادلوننا
فِي اللَّهِ
في شأنه واصطفائه نبيّا من العرب دونكم .
روي أن أهل الكتاب قالوا : الأنبياء كلهم منّا فلو كنت نبيّا لكنت منّا ، فنزلت .
وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ
لا اختصاص له بقوم دون قوم يصيب برحمته من يشاء من عباده .
وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ
فلا يبعد أن يكرمنا بأعمالنا كأنه ألزمهم على كل مذهب ينتحونه إفحاما وتبكيتا ، فإن كرامة النبوة إما تفضّل من اللّه على من يشاء والكل فيه سواء ، وإمّا إفاضة حقّ على المستعدين لها بالمواظبة على الطاعة والتحلي بالإخلاص ، وكما أن لكم أعمالا ربّما يعتبرها اللّه في إعطائها فلنا أيضا أعمال .
وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ
( 139 ) موحدون نخلصه بالإيمان والطاعة دونكم .
شرح
بانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه ، والقول ما قالت حذام وهو اقتباس من قوله :إذا قالت حذام فصدقوها * فإن القول ما قالت حذاموحذام امرأة حذرت قومها من الغارة فأنكروا عليها فلما وقعت الغارة قالوا : صدقت حذام فضرب بها المثل حتى قال النحرير المحقق : هذا البيت من الأبيات الجارية مجرى الأمثال .
قوله : ( أتجادلوننا ) المحاجة مفاعلة بين اثنين في إيراد الحجة على ما يدّعي ومقاومة كل واحد منهما صاحبه فيما أظهره من الحجة . فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما ادّعى الرسالة واحتج عليها بما أظهره من الحجج الباهرة خاصمته وجادلته يهود المدينة ونصارى نجران في شأن اللّه وأمره أي في اصطفائه نبيا من العرب دونهم بأن أنبياء اللّه تعالى كانوا منا وديننا هو الأقدم وكتابنا هو الأسبق ، ولو كنت نبيا لكنت منا إذ نحن الأحقاء بالنبوة منك ومن سائر العرب .
فأمر اللّه تعالى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يقول لهم :أَ تُحَاجُّونَناعلى سبيل التوبيخ والإنكار وقوله :وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْالجملة اسمية في موضع النصب على الحال والعامل فيها« تُحَاجُّونَنا »وقوله :وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْجملتان في موضع الحال عطفا على الحال الأولى .
والمعنى : أنكم كيف تحاجوننا وتزعمون أنكم أحق بالنبوة مع أنه لا نسبة لكم بالعبودية والربوبية ، وهذه النسبة سواء بيننا وبينكم إذ هو رب العالمين جميعا ومن عداه كلهم عبيد له لا اختصاص له بقوم دون قوم حتى يتعين لرحمته وكرامته قوم دون قوم ، والأمر منوط بمشيئته يفعل ما يشاء . فبم ترجحون أنفسكم علينا ؟ بل الترجيح يكون من جانبنا لأنّا مخلصون له في العبودية ولستم كذلك ، فإن قلتم : إنه إنما يشاء ما تقتضي الحكمة مشيئته ومقتضى الحكمة أن يخص الكرامة بمن يستعد لها بالمواظبة على الطاعة والأعمال الصالحة ،