صِبْغَةَ اللَّهِ
أي صبغنا اللّه صبغته وهي فطرة اللّه تعالى التي فطر الناس عليها
شرح
وهو أن يكون هذا في حد وذاك في آخر ، وكذا المعاداة كأن هذا في عدوة والآخر في عدوة أخرى ، وكذا المجانبة وهي أن يكون هذا في جانب وذاك في جانب آخر . والضميران في قوله تعالى :فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُمنصوبا المحل على أنهما مفعولان « ليكفي » يقال : كفاه اللّه السوء . وإن كثر استعماله متعديا لواحد ك « كفاك الشيء » والظاهر أن المفعول الثاني حقيقة في الآية هو المضاف المقدر . والمعنى : فسيكفي اللّه إياك أمر اليهود والنصارى بحفظك من شؤمهم ونصرك عليهم . وعد اللّه تعالى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك وعدا مؤكدا ، فإن السين في « سيكفي » للتأكيد والمعنى أن ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين . وجد بخط الزمخشري رحمه اللّه في حاشية كتابه : إن السين فيها معنى التأكيد لأنها في مقابلة « لن » . قال سيبويه :
قولك : « لن أفعل » نفي لقولك « سأفعل » . قال المفسرون : ثم كفاه اللّه تعالى أمر اليهود بالقتل والسبي في بني قريظة والجلاء والنفي إلى الشام وغيره في بني النضير والجزية والذلة في نصارى نجران .
قوله : ( أي صبغنا اللّه صبغته ) مبني على أن المختار عنده كما صرح به أن يكونصِبْغَةَ اللَّهِمفعولا مطلقا مؤكدا لنفسه . أما أنه مفعول مطلق فلأن ما ذكره من أن تقدير الكلام صبغنا اللّه صبغته أي فطرنا وخلقنا على استعداد قبول الحق . والإيمان فطرته ، وأما أنه مؤكد لنفسه فلأن هذا المصدر مع عامله المقدر بعينه هو مضمون الجملة المتقدمة وهو قوله :آمَنَّا بِاللَّهِلا محتمل لها من المصادر إلا ذلك المصدر لأن إيمانهم باللّه إنما يحصل بخلق اللّه تعالى إياهم على استعداد اتباع الحق والتحلي بحلية الإيمان . فلما دلت الجملة السابقة على المصدر المذكور نصا وقطعا كان ذلك المصدر مؤكدا لمضمونها الذي هو مضمون المصدر وعامله المحذوف فلذلك سمّي مثل هذا المصدر مؤكدا لنفسه ، ومثاله المشهور في قولك : له عليّ ألف درهم اعترافا فإن الجملة السابقة تدل على الاعتراف قطعا بحيث لا محتمل لها غيره فكأنه مؤكد لمضمونها الذي هو نفسه . ومنه قوله تعالى :وَعْدَ اللَّهِ[ الروم : 6 ] لأن ما قبله وهووَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ[ الروم : 4 ، 5 ] يدل عليه إذ الوعد هو الإخبار بإيقاع شيء نافع قبل وقوعه وقوله :يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَمن هذا القبيل ، ومثل هذا المصدر يجب حذف عامله قياسا . قال الرضى الاسترآبادي : ولا يمتنع في كل ما هو تأكيد لنفسه من المصادر أن يقال : الجملة المتقدمة عاملة فيه لنيابتها عن الأفعال الناصبة له وتأديتها معناها . فلذلك قال صاحب الكشاف :
وصِبْغَةَ اللَّهِمصدر مؤكد منتصب عن قوله :آمَنَّا بِاللَّهِالخ والصبغ ما يلون به الثياب ، والصبغ المصدر ، والصبغة الهيئة التي تبنى للنوع . والحالة من صبغ كالجلسة من جلس وهي