فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا
من باب التعجيز والتبكيت كقوله تعالى :
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
[ البقرة : 23 ] إذ لا مثل لما آمن به المسلمون ولا دين كدين الإسلام . وقيل : الباء للآلة دون التعدية . والمعنى أن تحروا الإيمان بطريق يهدي إلى الحق مثل طريقكم فإن وحدة المقصد لا تأبى تعدّد الطّرق ، أو مزيدة للتأكيد
شرح
يكفي في صحة إضافة « بين » إليه بل لا بد في صحة الإضافة من كونه بمعنى الجماعة وعمومه بالنسبة إلى الكل المجموعي ، ووقوعه في سياق النفي لا يفيد العموم بالنسبة إلى الكل المجموعي فإنك إذا قلت : لا نفرق بين أحد من رسله أو بين رسول من رسله يكون المعنى لا نفرق بين كل فرد من أفراد الرسل وكل واحد من الأفراد من غير انضمام فرد آخر إليه ليس كلا مجموعيا وجماعة متعددة حتى يصح إضافة « بين » إليه . وقال : بل كونه بمعنى الجماعة إنما هو لكونه اسما موضوعا لمن يصلح أن يخاطب يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث ، ويشترط أن يكون استعماله مع كلمة « كل » أو في كلام غير موجب . نص على ذلك أبو علي وغيره من أئمة العربية . وهذا غير الأحد الذي هو أول العدد في مثلقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ[ الإخلاص : 1 ] وقال صاحب الكشاف في سورة الأحزاب : أحدا في الأصل بمعنى واحد وهو الواحد ثم وضع في النفي العام مستويا فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه ، ومعنى قوله تعالى :لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ[ الأحزاب : 32 ] لستن كجماعة واحدة جماعات النساء أي إذا انقضت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد منهم جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة ، ومثله قوله عز وجل :وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ[ النساء : 152 ] تسوية بين جمعهم في أنهم على الحق المبين . انتهى كلامه . وقال الجوهري : الأحد بمعنى الواحد وهو أول العدد تقول : أحد واثنان وأحد عشر ، وأما قولهم : ما في الدار أحد فهو اسم لمن يصلح أن يخاطب يستوي فيه الواحد والجمع والمؤنث . قال تعالى :لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِوقال :فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ[ الحاقة : 47 ] . انتهى كلامه .
قوله : ( من باب التعجيز والتبكيت ) أي إلزام الخصم وإلجائه إلى الاعتراف بالحق بإرخاء عنانه وسد طريق المجادلة عليه لما أمر اللّه تعالى نبيه أن يجادل أهل الكتاب بأن يقول لهم : بل نتبع ملة إبراهيم ، ثم بيّن أن طريق اتباع ملته هو الإيمان باللّه وحده وبجميع الكتب المنزلة من عنده وبجميع أنبيائه الذين صدقهم اللّه تعالى بما خلق في أيديهم من المعجزات الباهرة ، وأن التصديق المذكور لا يكفي في اتباعهم بل لا بد معه من الإسلام للّه أي الانقياد والخضوع له بامتثال جميع تكاليفه ومن الإقرار بجميع ذلك حيث قال :قُولُوا آمَنَّاإلى قوله :وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَومقتضى الانقياد والخضوع له تعالى أن لا نفرق بين من صدقه