تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ
يعني إبراهيم ويعقوب وبنيهما . والأمّة في الأصل المقصود ، وسمي بها الجماعة لأن الفرق تؤمّها .
لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ
شرح
متصلين معنى بأن يكون الكلام الثاني بيانا للأول أو تأكيدا له أو بدلا منه ، بل يجوز أن وقوعها في آخر جملة لا يليها جملة متصلة بها بأن لا يليها جملة أصلا فيكون الاعتراض في آخر الكلام أو يليها جملة غير متصلة بها معنى بأن لا تكون بيانا للأولى ولا تأكيدا لها ولا بدلا منها ، فلا تكون الواو في قوله تعالى :وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ[ البقرة : 133 ] حينئذ عاطفة ولا حالية بل هي واو اعتراضية ومثل هذا الاعتراض كثيرا ما يلتبس بالحال . والفرق دقيق أشار إليه صاحب الكشاف حيث ذكر في قوله تعالى :ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ[ البقرة : 51 ] أن قوله :وَأَنْتُمْ ظالِمُونَحال أي عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة في غير موضعها ، أو اعتراض أي وأنتم عادتكم الظلم . وقال ههنا : ويجوز أن تكون جملة اعتراضية مؤكدة أي ومن حالنا أنا له مسلمون أي ومن شأننا وعادتنا الثبات على الإسلام له تعالى . وحاصل ما أشير إليه من الفرق أن هذه الجملة إن جعلت حالا يكون حصول مضمونها مقارنا لحصول عاملها أعني الفعل المقيد بها ، وذلك الفعل في الآية هو قولهم :نَعْبُدُ إِلهَكَ[ البقرة : 133 ] والفعل المضارع وإن كان يصلح للحال والاستقبال إما على أن يكون مشتركا بينهما أو يكون حقيقة في الحال مجازا في الاستقبال إلا أن المراد به في الآية الاستقبال بقرينة وقوعه في جواب قول يعقوب :ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي[ البقرة : 133 ] فيكون مضمون الجملة الحالية واقعا في المستقبل أيضا ، فكأنهم قالوا : نعبد بعد موتك إلهك وإله آبائك مخلصين له أنفسنا في ذلك الوقت . وإن جعلت اعتراضية لا يكون لها محل من الإعراب ولا يعتبر لها عامل فضلا عن أن يكون مضمونها مقارنا لمضمون عاملها في الحصول فلا يكون حصول مضمونها مقيدا بزمان التكلم ولا بالزمان الماضي ولا المستقبل ، بل المراد إنّا نعبد بعدك معبودك ونحن شأننا أو عادتنا ذلك في جميع الأزمان .
قوله : ( والأمة في الأصل المقصود ) يعني أنها فعلة بنيت للمفعول من « الأم » وهو القصد . يقال : أمه وأممه وتأممه إذا قصده ، كالعهدة بمعنى المعهود من عهده إذا أدركه أو لقيه ، وكالعدة بمعنى المعد من أعده إذا هيأه ، والعدة ما أعددته لحوادث الدهر من المال والسلاح . والمراد بالأمة ههنا الجماعة وسميت أمة لما ذكره من أن الفرق تؤمها أي تقصدها ، وأطلق لفظ الأمة على الواحد في قوله تعالى :إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً[ النحل : 120 ] تشبيها له بالأمة من حيث إنه جمع من الفضيلة ما لا يجمع إلا في أمة وأشار إلى هذا المعنى من قال :وليس على اللّه بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد