قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ
المتفق على وجوده وألوهيته ووجوب عبادته وعدّ إسماعيل من آبائه تغليبا للأب والجدّ أو لأنّه كالأب لقوله عليه السّلام : « عم الرجل صنو أبيه » ، كما قال عليه الصلاة والسّلام في العباس
شرح
قوله : ( المتفق على وجوده وألوهيته ووجوب عبادته ) أشار إلى فائدة تكرير لفظ إله فإن اللفظ إنما يكرر إذا حصل بالتكرير ما لا يحصل بدونه ، فإنك إذا قلت : دخلت دار زيد ودار عمرو ، يفهم تكرار الدار وأن يكون لكل واحد منهما دار على حدة . وتوضيح ما ذكره في وجه التكرير أنه قد تقرر في علم الكلام أنه لا طريق إلى معرفة اللّه تعالى إلا النظر والاستدلال فوجب أن يكون إيمان القوم حاصلا بطريق الاستدلال . فحين حملهم أبوهم على الإقرار بأنهم يخصون العبادة بالمعبود بالحق وأخذ ميثاقهم على الثبات عليه كان مرادهم أن يظهروا لأبيهم ما حصل لهم من المعرفة بالمعبود الحق بذكر ما يؤدي إليها من البرهان إلا أن المقام لما لم يساعد على تفصيل مقدمات ذلك البرهان اكتفوا بالإشارة إليه إجمالا فقالوا :
معبودنا هو الإله الذي أثبته أنت وأثبته آباؤك الأقدمون واتفقتم على وجوده وألوهيته ووجوب عبادته استدلالا بالبراهين القاطعة ، فنحن على أثركم في باب الاعتقاد وما يؤدي إليه من طريق الاستدلال في باب العمل بمقتضى ذلك الاعتقاد أيضا . فتكرير لفظ الإله يدل على موافقتهم لكل ما أضيف إليه اللفظ المذكور في بابي الاعتقاد والعمل ويفيد كمال التسلية لأبيهم . ثم ذكر المصنف بعدها فائدة أخرى للتكرير وهي تعذر العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار وتكريره وهو المضاف ههنا وهي فائدة لفظية ، وما أشار إليه أولا فائدة معنوية وقدمها لأنها هي المعتبرة عند البلغاء . قوله : ( وعد إسماعيل من آبائه ) على أن أباه إنما هو إسحق وأن إسماعيل عمه عليهما الصلاة والسّلام تغليبا للأب على العم إذا ذكرا معا على طريق تسمية الشمس مع القمر « قمرين » وتسمية الأب مع الجد « أبوين » وتسمية الأم مع الخالة « أمين » بطريق التغليب . قوله : ( أو لأنه كالأب لقوله عليه الصلاة والسّلام ) عطف على قوله :
« تغليبا » ووجه المشابهة تشعبهما من أصل واحد وهو الجد . واستدل على كونه كالأب بقوله عليه الصلاة والسّلام : « عم الرجل صنو أبيه » أي مثله لا تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنوي النخلة والصنوان نخلتان من عرق واحد . فإذا أطلق لفظ الأب على العم يكون استعارة مبنية على المشابهة فإن قيل : فعلى هذا يلزم أن يكون لفظ آبائك مستعملا في معناه الحقيقي والمجازي معا وهو غير جائز . قلنا : لا نسلم لزومه بل هو مستعمل في معنى مجازي أعم من المعنيين المذكورين ، وهو المذكور في أولى النسبة الذين درجتهم فوق درجة الشخص وهو يتناول الآباء والأعمام والأجداد وإن علوا . قوله : ( كما قال عليه الصلاة والسّلام في العباس ) أي في حقه رضي اللّه عنه « هذا بقية آبائي » تمثيل لإطلاق لفظ الأب