اليهودية عليه ؟ أو متصلة بمحذوف تقديره أكنتم غائبين أم كنتم شهداء ؟ وقيل :
الخطاب للمؤمنين ، والمعنى ما شهدتم ذلك وإنما علمتموه بالوحي .
شرح
قوله :أَمْمنقطعة قد تقرر أنها بمعنى الهمزة لتضمنها معنى « بل » الإضرابية ويكون ما بعدها كلاما مستأنفا منقطعا عما قبلها حيث وقع الإضراب عنه بخلاف « أم » المتصلة في نحو قولك : أزيد عندك أم عمرو . فإن ما بعدها لا يكون منقطعا عما قبلها وكفى دليلا على ذلك أنك تعبر عنها باسم مفرد فتقول : معناه أيهما عندك ؟ وذكر المصنف أولا أن التي في الآية منقطعة ، والإضراب عن الكلام السابق قد يكون لكون مضمونه باطلا غير مطابق للواقع وقد يكون لكون الكلام الثاني أهم والاهتمام بذكره أحق وأحرى وإن كان الكلام السابق حقا صحيحا في نفسه . والإضراب الذي في الآية من قبيل الثاني فإنه تعالى ذكر في مقام الاحتجاج على الكفرة من أهل الكتاب أن ملة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام هو الإسلام ، وأن كل واحد من إبراهيم ويعقوب وصى به بنيه . ثم أضرب عن هذا وأخذ في الاستفهام الإنكاري تنبيها على أنه أهم ههنا لأن الكلام السابق إنما يدل على أن ملة إبراهيم هو الإسلام وأنه هو وابنه يعقوب وصيا بذلك بنيهما ، ولا يدل على الإنكار على الكفرة وتكذيبهم فيما زعموا من أن يعقوب عليه الصلاة والسّلام مات على اليهودية إلا التزاما بخلاف الاستفهام الإنكاري فإنه يدل عليه صريحا فيكون أهم في مقام الاحتجاج عليهم . ثم ذكر احتمال أن تكون كلمة « أم » متصلة وهي التي تذكر بعد همزة الاستفهام طلبا للتعيين نحو : أزيد عندك أم عمرو ؟ ومعادل « أم » المتصلة لما لم يذكر في الآية قدره فقال : أكنتم غائبين أيها اليهود حين حضر يعقوب أسباب الموت ومقدماته أم كنتم شهداء حاضرين ، وعلى التقديرين لا وجه لادعائكم اليهودية على يعقوب عليه السّلام حين مات . أما على الأول فلأن من غاب عن الشخص حين موته كيف يعرف حاله ويجزم بأنه مات على اليهودية ، وأما على الثاني فلأنكم لو كنتم حاضرين حينئذ لسمعتم مقالته وعرفتم حاله من توصية بنيه على الثبات على الإسلام وتقريرهم عليه .
قوله : ( وقيل الخطاب للمؤمنين ) عطف على ما يفهم من قوله : « وروي أن اليهود » إلى قوله : « فنزلت » أورده المصنف بقوله : « قيل » إشارة إلى ضعفه من حيث إن ما ذكر في سبب النزول يقتضي أن يكون الخطاب لليهود ، فعلى هذا الاحتمال تكون كلمة « أم » منقطعة ويكون ما فيها من معنى الهمزة للإنكار أي ما كنتم شهداء عند موته وما فيها من معنى بل للإضراب عما قبلها والإقبال إلى ما هو أهم منه . فإنه تعالى لما بيّن ملة إبراهيم ووصيته لبنيه أخذ فيما هو أهم وهو الامتنان على المؤمنين بأن صيّرهم اللّه تعالى أمة لنبي أوحي إليه بأنباء الأولين ، فأخبر عما جرى عليهم مطابقا للواقع من غير مشاهدة ولا تعليم معلم ولا مطالعة كتاب ،