وقرىء حضر بالكسر .
إِذْ قالَ لِبَنِيهِ
بدل من إذ حضر .
ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي
أي شيء تعبدونه أراد به تقريرهم على التوحيد والإسلام وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما وما يسأل به عن كل شيء ما لم يعرف ، فإذا عرف خص العقلاء ب « من » إذا سئل عن تغينه وإن سئل عن وصفه قيل : ما زيد أفقيه أم طبيب ؟ .
شرح
وكان ذلك من جملة معجزاته الدالة على صدقه في دعوى الرسالة . وفيه تحريض وحث على متابعته والثبات على ملته ودينه كأنه قيل : أيها المؤمنون تقولون إن يعقوب حين احتضر وصى بنيه بالتوحيد والإسلام وهو صدق لكن ما علمتم ذلك من طريق الاستدلال ولا قراءة كتاب ولا تعليم معلم ، وما شهدتم احتضاره وتوصيته فلم يبق إلا طريق الوحي إلى نبيكم فاتبعوه .
وهذا معنى الحصر في قول المصنف : « وإنما علمتموه بالوحي » . قوله : ( وقرىء حضر بالكسر ) وهو لغة حكاها الفراء يقال : حضرت القاضي امرأة تحضر . ولغة الجمهور حضر يحضر حضورا ، مثل دخل يدخل دخولا .
قوله : ( بدل من إذ حضر ) والعمل فيهما شهداء . وقيل : « إذ » الثانية ليست ببدل من الأولى وإنما هو ظرف « لحضر » كما أن الأولى ظرف « لشهداء » و« ما »في« ما تَعْبُدُونَ »استفهامية في محل النصب بتعبدون أي أي شيء تعبدون . قوله : ( وما يسأل به عن كل شيء ) لو قال :
وما تطلق على كل شيء ، لكان أفيد لأن الحكم المذكور لا يختص ب « ما » الاستفهامية بل يعمها وغيرها . قال النحرير التفتازاني : و « ما » عام أي يصح إطلاقه على ذي العقل وغيره عند الإبهام سواء كان للاستفهام أو غيره ، وإذا علم أن الشيء من ذوي العقل والعلم فرّق بين « من » و « ما » فيخص « من » بذوي العلم و « ما » بغيره ، ولهذا الاعتبار يقال : إن « ما » لغير العقلاء . انتهى كلامه . فعلى هذا يكون « ما » مشتركا بين المبهم الذي لا يعلم حاله وبين الشيء الذي علم أنه لا يعقل ، فإذا تراءى شبح من بعيد وكان مبهما لا يعلم حاله سئل عن تعيينه « بمن » وإذا تعيّن أنه غير عاقل وسئل عن تعيينه يسأل عنه « بما » وإذا سئل عن وصف من هو عالم استعمل فيه لفظ « ما » أيضا كما تقول : ما زيد تريد أفقيه هو أم طبيب أم غير ذلك . وما في الآية يجوز أن يحمل عليه ويسأل به عن صفة المعبود كأنه قيل : أمعبودا عظيما حقيقا بالعبادة تعبدونه أم غيره مما لا يستحقها ؟ وقد يطلب منه شرح ما دل عليه الاسم إجماعا قبل العلم بوجود المسمى سواء كان من الموجودات المعينة لكن لم يعلم وجوده بعد كالجن ونحوه أم لم يكن كالعنقاء . ويقال له : « ما » الشارحة للاسم وقد يطلب به حقيقة المسمى أي ماهية الموجود ويقال : « ما » الحقيقة ، ومطلب « ما » الشارحة متقدم على مطلب « هل » البسيطة كما أن مطلب « هل » البسيطة متقدم على مطلب « ما » الحقيقة ولا تعلق له بهذا المقام .