أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ
أم منقطعة ، ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي ما كنتم حاضرين إذ حضر يعقوب الموت وقال لبنيه ما قال ، فلم تدعون
شرح
حمل اللفظ على معناه المجازي اللازم للمعنى الأصلي . ولما توجه أن يقال : إذا كان المقصود المعنى المجازي فلم عدل عما يدل عليه بالوضع وهو أن يقال : لا تكونوا على خلاف حال الإسلام وقت الموت ، وأدخل حرف النهي على فعل الموت مع أنه ليس بمنهي عنه ؟ أجاب بقوله : « وتغيير العبارة » الخ . وحاصل الجواب أنه عدل عنه للدلالة على كون الفعل شبيها بالمنهي عنه الذي حقه أن لا يقع ولو وقع كان بمنزلة العدم كما أن الأمر بالموت في قولك :
مت وأنت شهيد تنبيه على كونه بمنزلة المأمور به الذي حقه أن يقع ولو لم يقع كان بمنزلة العدم . والمقصود بما حكى اللّه تعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام من أنه وصى بنيه وحثهم على الثبات على الإسلام إلى أن يموتوا تأكيد الحجة على اليهود والنصارى الزاعمين أن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام كان على دينهم . فإن اليهود زعمت أنه عليه الصلاة والسّلام كان على دينهم يهوديا ، وزعمت النصارى أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان على النصرانية حتى قالوا لغيرهم :كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا[ البقرة : 135 ] فكذبهم اللّه تعالى بقوله :ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً[ آل عمران : 67 ] وبما حكى عنه بقوله :يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[ البقرة : 132 ] الإنكار على اليهود في زعمهم أن يعقوب عليه الصلاة والسّلام أوصى بنيه يوم مات باليهودية . كأنه قال لهم : كيف تزعمون ذلك وما كنتم حاضرين عنده حين أوصى بنيه فلم تدعون اليهودية عليهم ؟ وتم الإنكار عليهم عند قوله تعالى :ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي[ البقرة : 133 ] ثم استأنف ما أجابوا به من الثبات على الدين الحق ومدح آبائهم بكونهم على ذلك وأنهم متبعون لهم ثابتون على دينهم يبتغون بذلك مرضاة اللّه تعالى ، وطيب نفس والدهم إظهار الكذب اليهود فيما ادعوه من توصية يعقوب بنيه على ما وصفوا . ولم يكتف يعقوب عليه الصلاة والسّلام بأن وصاهم بدين الإسلام بل حملهم على الثبات عليه وأخذ منهم إقرارهم واعترافهم بذلك . قال الراغب : لم يعن بقوله :ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِيالعبادة المشروعة فقط وإنما عنى أن يكون مقصودهم في جميع الأعمال وجه اللّه تعالى ومرضاته وأن يتباعدوا عما لا يتوسل به إليها فكأنهم دعوى إلى أن لا يتحروا في أعمالهم غير وجه اللّه تعالى ولم يخف عليهم الاشتغال بعبادة الأصنام وإنما خاف أن تشغلهم دنياهم ، ولهذا قيل : ما قطعك عن اللّه فهو طاغوت ولذا قال إبراهيم :وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ[ إبراهيم : 35 ] أي نخدم ما دون اللّه .
وهذا المعنى تحرّاه الشاعر بقوله للّه درّه :فمن ملك اللذات لا يعتبدنه * وما كل ذي ملك لهن بما لك