لقوله :
فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
( 132 ) ظاهره النهي عن الموت على خلاف حال الإسلام . والمقصود هو النهي عن أن يكونوا على خلاف تلك الحال إذا ماتوا ، والأمر بالثبات على الإسلام كقولك : لا تصلّ إلّا وأنت خاشع . وتغيير العبارة للدلالة على أن موتهم لا على الإسلام موت لا خير فيه وأن من حقه أن لا يحلّ بهم . ونظيره في الأمر : مت وأنت شهيد . وروي أن اليهود قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ألست تعلم أن يعقوب أوصى بنيه باليهودية يوم مات ؟ فنزلت :
شرح
في السلم أي في الانقياد والمتابعة . فما وقع من تخصيص دين الإسلام بدين نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ليس قصرا حقيقيا بل بالإضافة إلى دين اليهود والنصارى وسائر أهل الشرك والضلال .
قوله : ( لقوله : فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) استدلال على أن المراد من الدين دين الإسلام . قوله : ( ظاهره النهي عن الموت على خلاف حال الإسلام ) وليس بمقصود لأن النهي لا يكون إلا عن ما هو مقدور للمكلف والموت على أي حال كان ليس بمقدور له فإنه كائن البتة فلا يتعلق به أمر ولا نهي . وتقييد الموت المنهي عنه بكونه على خلاف حال الإسلام مستفاد من استثناء حال الإسلام من المستثنى منه المقدر ، فإن « إلا » للإخراج والإخراج يقتضي مخرجا منه وهو في الآية ليس بمذكور فيقدر أمر عام يتناول المستثنى وغيره ليتحقق الإخراج . فتقدير الآية : لا تموتن موتا كائنا على حال من الأحوال إلا في حال كونكم مسلمين ثابتين على الإسلام فلو لم يخرج حال الإسلام من ذلك العام المقدر لكان الموت على جميع الأحوال أي حال كان منهيا عنه . فلما أخرج حال الإسلام صار المنهي عنه هو الموت المقيد بكونه على خلاف حال الإسلام ، ولما كان الموت المقيد غير مقدور للمكلف صرف النهي إلى قيده وهو الكون على خلاف حال الإسلام عند حصول المقيد اضطرارا أي من غير أن يكون المكلف له مدخل في حصوله . وهذا القيد مقدور للمكلف فيصح النهي عنه والنهي عن الشيء أمر بضده إذا كان له ضد واحد بالاتفاق كالنهي عن الكفر فإنه أمر بالإيمان ، وكذا النهي عن الحركة فإنه أمر بالسكون فلذلك عطف المصنف قوله : « والأمر بالثبات على الإسلام » على قوله : « هو النهي » . الخ وقيد الثبات مأخوذ من كون قوله :إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَجملة اسمية والثبات على الإسلام أيضا مقدور للمكلف فيصح الأمر به بأن يقال : الزموا الإسلام فإذا أدرككم الموت صادفكم عليه والموت على خلاف حال الإسلام ملزوم للاتصاف بخلاف تلك الحال ، فيصح أن ينقل الذهن من النهي عن الأول إلى النهي عن الثاني لما بينهما من علاقة الاستلزام ، وهذا كما تقول : « لا رأيتك ههنا » فتدخل حرف النهي على رؤيتك للمخاطب وليس مرادك أن تنهى نفسك عن رؤيتك إياه بل المراد نهي المخاطب عن حضور الموضع الذي أنت فيه . فلما تحققت القرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة