حين دعاه ربه وأخطر بباله دلائله المؤديّة إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام . روي أنها نزلت لما دعا عبد اللّه بن سلام ابني أخيه سلمة ومهاجرا إلى الإسلام فأسلم سلمة وأبي مهاجر .
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ
التوصية هي التقدم إلى الغير يفعل فيه صلاح وقربة وأصلها الوصل يقال : وصاه إذا وصله وفصاه إذا فصله ، كأن الموصي يصل فعله بفعل
شرح
حتى وفقه اللّه تعالى وآتاه رشده فلم يضره ذلك في حال الاستسلام ، وأيضا كان ذلك في حال طفوليته قبل أن يجري عليه القلم فلم يكن كفرا . وأنكر الآخرون هذا القول وقالوا :
كيف يتصور في مثله أن يرى كوكبا ويقول : « هذا ربي » معتقدا ؟ فهذا لا يكون أبدا . ثم أوّلوا قوله ذلك بوجوه مشهورة في سورة الأنعام للإمام محيي السنة . وكتب هذا المقدار ههنا ليتضح ما ذكره المصنف في هذا المقام وهو قوله : « وإنه نال ما نال بالمبادرة إلى الإذعان وإخلاص السرحين دعاه ربه وأخطر بباله دلائله المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام » فإنه لم يحمل قوله تعالى :قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ[ البقرة : 131 ] على ما يفهم منه ظاهرا من أنه تعالى كلفه وأمره حقيقة أن يحدث الإسلام ، فإن الصبي لا يكلف بشيء عند الأشاعرة . فإذا لم يمكن أن يؤمر ويكلف بالإسلام حقيقة بأن يوحى إليه كلام يدل على ذلك وجب أن يؤول قوله تعالى :إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْفيجعل مجازا عن أنه تعالى لما أخطر بباله ألهمه النظر في الدلائل المؤدية إلى المعرفة ، لأن هذه الواقعة كانت في بدء حاله فلا يتصور هناك إلا الإلهام فشبه إلهام تلك الدلائل الموجبة للإسلام بأن يقال له قولا موجبا للإسلام ، فعبّر عن إلهام تلك الدلائل بتكلم لفظ الأمر الموجب للإسلام فقيل :قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْوالمراد ألهمه الدلائل المؤدية إلى الإسلام فيكون قوله تعالى :قالَ أَسْلَمْتُ[ البقرة : 131 ] أيضا مجازا بمنزلة أن يقال : نظر في تلك الدلائل وعرف الحق وأسلم . كما أشار إليه المصنف بقوله : « بالمبادرة إلى الإذعان » إلى المسارعة أي قبول ما أدى إليه الدليل وهو المعرفة المؤدية إلى الحق وإلى الإسلام أي إخلاص السر له . قوله : ( روي أنها ) أي آيةوَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ[ البقرة : 130 ] الآية . وفي الكشاف : روي أن عبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه دعا ابني أخيه سلمة ومهاجرا إلى الإسلام فقال لهما : قد علمنا أن اللّه تعالى قال في التوراة : « إني باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد فمن آمن به فقد اهتدى ورشد ومن لم يؤمن به فهو ملعون » فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم فنزلت .
قوله : ( هو التقدم إلى الغير بفعل ) أي مقدم إليه على وجه التفضل والإحسان سواء كان أمرا دينيا أو دنيويا . يقال : وصى الشيء بالشيء يصي وصيّا أي وصله به ، وفصى اللحم عن العظم أي انفصل عنه وفصيته عنه أي خلصته منه . والوصي فعيل بمعنى المفعول . قوله :