وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
( 130 ) حجّة وبيان لذلك . فإنّ من كان صفوة العباد مشهودا له بالاستقامة والصلاح يوم القيامة كان
شرح
قوله تعالى :( اصْطَفَيْناهُ )أصل اصطفيناه افتعلناه قلبت التاء طاء لتقاربهما مخرجا .
والطاء أشبه بالصاد من جهة الاستعلاء والإطباق ، فقلبت طلبا للمؤاخاة . والاصطفاء الاختيار والاختيار طلب الخير ، وصفوة الشيء خالصه من شوب النقص والكدر فقوله :اصْطَفَيْناهُأي اخترناه للرسالة والنبوة والخلة لعلمنا بأنه صفوة العباد في الدنيا . وهو جواب قسم محذوف والواو لعطف القصة على القصة تعليلا للقصة الأولى وهي أنه لا يرغب أحد عن ملته إلا من أذل نفسه بالجهل والإعراض عن النظر في القصة المعطوف عليها . والمشهور أن الألف واللام في الصفات اسم موصول بمعنى « الذي » فمعنى قوله :لَمِنَ الصَّالِحِينَلمن الذين صلحوا فلا يجوز أن يكون قوله :فِي الْآخِرَةِمتعلقا بالصالحين لامتناع تقدم الصلة وما في حيزها على الموصول . وكذا لام الابتداء لا يعمل ما بعدها فيما قبلها فهي إذا متعلقة بمحذوف دل عليه هذا الظاهر تقديره : وأنه صالح في الآخرة . وقيل : إن اللام في الصالحين ليست بموصول بل هي للتعريف فيجوز أن يعمل ما بعدها فيما قبلها وفيه نظر لأنه حينئذ إنما يرتفع أحد المانعين والمانع الآخر باق بحاله فالوجه أن تتعلق بمحذوف . وقيل : في الكلام تقديم وتأخير والتقدير : ولقد اصطفيناه في الآخرة وإنه في الدنيا لمن الصالحين . قيل : المراد بالصالحين الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام لقوله تعالى :وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ[ الأنعام : 84 ] إلى قوله :كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ[ الأنعام : 85 ] وأن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام دعا ربه بقوله :وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ[ يوسف : 101 ؛ الشعراء : 83 ] أي الأنبياء الماضين فأجاب اللّه دعوته وبيّن أنه معهم في الجنة . والمصنف فسّر الصلاح بالاستقامة على الخير والعمل بطاعة اللّه تعالى ، ولما كانت الاستقامة المذكورة بحيث لا تحصل إلا في الدنيا فسر كونه من الصالحين في الآخرة بكونه مشهودا له بالصلاح يوم القيامة على أن يكون يوم القيامة ظرفا للشهود لا للصلاح لأن الصلاح إنما وقع في الدنيا . فكأنه قيل : ولقد اخترناه وخصصناه بالخلة والنبوة لما فيه من الخصوصية المختصة به ، وإنه محكوم له في الآخرة بصلاحه في الدنيا تنبيها على أن الثواب في الآخرة إنما يستحقه بصلاحه فيها واستمراره عليه إلى وقت الموت . فكم من صالح في أول حاله ختم على الفساد في مآله فيصير مشهودا عليه يوم القيامة بسوء الخاتمة وإنه من أصحاب السعير ك « بلعم » و « برصيصا » و « ثعلبة » نعوذ باللّه من سوء الخاتمة والخذلان . فيكون قوله تعالى :وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَبشارة له في الدنيا بصلاح الخاتمة ووعدا له بذلك كما أن قوله تعالى لنبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم :لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ[ الفتح : 2 ] وعدا له بصلاح الخاتمة وبشارة له في الدنيا بذلك .