تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
الواضحة الغرّاء ، أي لا يرغب أحد عن ملته .
إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ
إلا من استمهنها وأذلّها واستخف بها . قال المبرد وثعلب : سفه بالكسر متعد وبالضم لازم . ويشهد له ما
شرح
قبول ما جاء به سيد المرسلين صلّى اللّه عليه وسلّم من الملة وتقبيح شأن من يرغب عنه فالملائم لهذا المقصود أن يقال : ومن يرغب عن ملة الرسول الذي أجبب به دعوة إبراهيم فلم عدل عنه إلى ما وقع في نظم التنزيل ؟ قلنا : عدل عنه للمبالغة في التقريع والتقبيح فإن الملتين وإن اختلفتا في فروع الشرائع وكيفية الأعمال لكنهما متحدتان في أصول الدين مما يتعلق بالمبدأ والمعاد والنبوة ورعاية مكارم الأخلاق . فكل واحد من فريق اليهود والنصارى والمشركين راغبون عما جاء به إبراهيم عليه الصلاة والسّلام من أصول الدين ، فإن اليهود والنصارى وإن كانوا يؤمنون باللّه واليوم الآخر إلا أن ذلك الإيمان منهم كلا إيمان لاعتقادهم التشبيه واتخاذ الولد وأن لا يدخل الجنة غيرهم ، وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة ، والمشركون لا يؤمنون بالبعث والحساب رأسا وغير ذلك من أقوالهم الزائغة . فلما أعرضوا عن ملة إبراهيم عليه السّلام كانوا عن هذه الملة أرغب وأشد إعراضا إلا أنهم وصفوا بالرغبة عن ملة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام لكونها أدخل في تجهيلهم وتسفيههم لأن رغبتهم عن ملة من يعظمونه ويعتقدون أنه خليل اللّه ويفتخرون بالانتساب إليه غاية الجهل والسفاهة ، وهذا القدر من التسجيل لا يحصل بأن قيل : ومن يرغب عن ملة من أرسل بدعوة إبراهيم . قوله : ( إلا من استمهنها ) أي جعلها مهينة حقيرة فإن بناء استفعل قد يكون للتعدية نحو : « استذله » كما صرح به شمس الأئمة وشمس الدين التفتازاني في الأساس يريد أن « سفه » متعد وأن انتصاب نفسه على أنه مفعول به ، وأيده بقول المبرد وثعلب وبما جاء في الحديث من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « الكبر أن تسفه الحق » أي تستمهنه وتحقره ولا تراه حقا فضلا عن أن تقبله . وفي الصحاح : غمصه يغمصه غمصا أي استصغره ولم يره شيئا . وفي الحواشي السعدية : غمصته بفتح الميم وكسرها أي احتقرته . والمشهور أن سفه لازم . وقد ذكر المصنف لانتصاب نفسه حينئذ وجهين : الأول الانتصاب على التمييز بأن تكون السفاهة في الأصل فعل النفس إلا أنها أسندت إلى ضمير « من » وأبهم أنه من أي جهة كان سفيها ثم أزيل الإبهام بنصب نفسه على التمييز . فكان المعنى إلا من سفه من جهة نفسه نحو : طاب زيد أبا لكون التفسير بعد الإبهام ألذ وأوقع في النفس لأنها تتشوف إلى معرفة ما أبهم عليها ، فإذا فسر بعد الإبهام كان المبين منساقا إليها بعد الطلب فيكون أوقع من المنساق بلا تعب . ولما كان الأصل في التمييز أن يكون نكرة وكان تعريفه نادرا أورد له نظائر من الشعر وأقوال العرب لاستئناس النفوس به فقال : « غبن رأيه » و « ألم رأسه » . قال الجوهري : الغبن بالتسكين