وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ
استبعاد وإنكار لأن يكون أحد يرغب عن ملته
شرح
إليهم ، وتبليغ ألفاظ الكتاب محض وسيلة إلى تطهير النفوس من الرذائل القولية والفعلية والاعتقادية وتطهيرها منها غاية أخيرة . وكل واحد من تعليم الكتاب وتعليم الحكمة وسيلة بالنسبة إلى ما ذكر بعده وغاية مطلوبة بالنسبة إلى ما ذكر قبله . ثم إن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام لما ذكر هذه الدعوات ختمها بالثناء على اللّه تعالى . والعزيز القادر الذي لا يغلب ولا يعجزه شيء كما قال تعالى :وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ[ فاطر : 44 ] وقال الكسائي : العزيز الغالب ، ومنه قوله تعالى :وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ[ ص : 23 ] وفي المثل من « عزّ بز » أي من غلب سلب . والحكيم هو العالم الذي لا يجهل شيئا فيكون مصيبا في أفعاله ومتقنا محكما لها بحيث يجعلها دالة على وحدانيته وحصر العزة والعلم المستوجب للإحكام والإتقان فيه من حيث إنه عزيز حكيم بذاته وكل ما سواه ذليل جاهل في نفسه ، وما يحصل له من القدرة والعلم فإنما هو مستفاد من خزائن فضله ورحمته .
وجعل الثناء المذكور تذييلا لما ذكره من الدعوات فإن من كان في العلم والقدرة بهذه المثابة يصح منه إجابة الدعاء وبعث الرسول وإنزال الكتب وغيرها مما يقتضيه العلم المحيط والقدرة البالغة .
قوله : ( استبعاد وإنكار ) يعني أن كلمة « من » استفهامية قصد بها الإنكار والتقريع والتسجيل بالسفاهة لما اعترف تعالى في حق إبراهيم عليه الصلاة والسّلام بالفضيلة السنية والأخلاق المرضية والهمة العالية البهية ، كما حكى تعالى من أحواله انتقل إلى ذكر حرصه في صلاح أحوال عباده ودعائه لهم بالخير وخاصة في حق ذريته حيث دعا ربه أن يجعل منهم أمة مسلمة وأن يبعث فيهم رسولا منهم يطهرهم من الرذائل . فلما بعث ذلك الرسول في آخر الزمان بدعائه وتضرعه إلى اللّه تعالى وعلموا بعلاماته الظاهرة وأماراته الباهرة أنه هو الرسول الذي سأله إبراهيم من ربه الكريم ، امتنعوا عن تصديقه والإيمان به مع أن أعظم مفاخرهم الانتساب إليه والتدين بدينه والتخلق بآدابه وسننه بزعمهم وهم عامة اليهود والنصارى ومشركو العرب . فإن اليهود يفتخرون بكونهم من ذريته والنصارى يفتخرون بكونهم من أمة عيسى عليه الصلاة والسّلام وهو أيضا من بني إسرائيل من جانب أمه ، وكفار قريش يفتخرون بكونهم من ساكني حرمه وخدم ما بناه من البيت فإن كل خيرنا لهم في الجاهلية إنما نالهم بسبب البيت الذي بناه وكفرهم وإعراضهم عن رحمة اللّه التي ساقها إليهم بدعاء إبراهيم مع افتخارهم بالانتساب إليه سفاهة بينة وجهالة عظيمة . وملته دينه وشريعته وفعل الرغبة إذا عدي ب « في » يكون بمعنى الميل والإرادة القوية وإذا عدي ب « عن » يكون بمعنى الإعراض وصرف الإرادة عن الشيء . فإن قيل : ما ذكرته يقتضي أن يكون الكلام مسوقا لترغيب الناس في