رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ
في الأمة المسلمة .
رَسُولًا مِنْهُمْ
ولم يبعث من ذريتهما غير محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم فهو المجاب به دعوتهما كما قال : « أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي » .
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ
يقرأ عليهم ويبلّغهم ما يوحى إليه من دلائل التوحيد
شرح
سألا التوبة عنها . قال الشيخ أبو منصور الماتريدي : في الآية دلالة على أن الأنبياء عليهم السّلام قد يكون منهم الزلات والعثرات على غير قصد منهم فإنهما سألا التوبة من اللّه تعالى ولن تكون إلا عن زلة . وتقرير الوجه الثالث أنهم معصومون من الكبائر بالاتفاق ومن تعمد الصغائر وما فرط منهم سهوا مكفر بما اكتسبوه من الطاعات والمثوبات فذمتهم طاهرة مطهرة من جميع التقصيرات والعثرات ، فما وقع منه من الاستتابة لا يكون من زلة محققة غير مكفرة بل هو مبني على هضم النفس وكسرها على إرشاد الاتباع والأولاد . فإنهما لما بنيا البيت أرادا أن يبينا للناس ويعرفاهم أن ذلك البيت وما يتبعه من المناسك والمواقف أمكنة التفصي من الذنوب وطلب التوبة من علام الغيوب . ثم إنه تعالى وصف نفسه بأنه هوالتَّوَّابُ الرَّحِيمُوالتواب قد يطلق على العبد أيضا قال تعالى :إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ[ البقرة : 222 ] الذين كثر رجوعهم عن المعصية إلى الطاعة . فإن أصل التوبة الرجوع . وتوبة اللّه تعالى على العبد قبول توبته وأن يخلق الإنابة والرجوع في قلب الشخص ويزين جوارحه الظاهرة بالطاعات بعدما لوثها بالمعاصي والخطيئات قال تعالى :وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ[ الشورى : 25 ] وتوّاب من صيغ المبالغة وأطلق عليه تعالى للمبالغة في صدور الفعل منه تعالى وكثرة قبوله توبة المذنبين لكثرة من يتوب إليه .
قوله تعالى :( رَسُولًا مِنْهُمْ )أي من جنس تلك الأمة من المسلمين الذين هم من ذريتهما قال تعالى :لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ[ آل عمران :
164 ] فإن الرسول والمرسل إليه إذا كانا من ذرية أصل واحد يكون الرسول أحرص الناس على خيرهم وأشفق عليهم من الأجنبي لو أرسل إليهم لأن الرسول إذا كان منهم يقرب عليهم لأمر في معرفة صدقه وأمانته من حيث إنهم يعرفون مولده وتفاصيل أحواله حينئذ .
قوله : ( ولم يبعث من ذريتهما غير محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ) لما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة : شيث وإدريس ونوح وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وإسماعيل ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم أجمعين . فدل ذلك على أن الرسول الذي أجاب اللّه تعالى به دعوتهما هو نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد أجمع عليه المفسرون وإجماعهم حجة . ويدل عليه أيضا ما روي عنه عليه الصلاة والسّلام أنه قال : « إني عند اللّه خاتم النبيين وإن آدم لمنحدل في طينته وها أنا أخبركم بأول أمري : أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة وعيسى ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني أنه قد خرج لها نور أضاءت لها منه قصور الشام » . والمراد بدعوة إبراهيم