أن في ذريتهما ظلمة وعلما أن الحكمة الإلهية لا تقتضي الاتفاق على الإخلاص ، والإقبال الكلي على اللّه تعالى فإنّه ممّا يشوش المعاش ولذلك قيل : لولا الحمقى لخربت الدنيا . وقيل : أرادا بالأمة أمة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم . ويجوز أن تكون « من » للتبيين كقوله :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
[ النور : 55 ] قدّم على المبيّن وفصل به بين العاطف والمعطوف كما
شرح
فكأنهما قالا : وأصلح عامة عبادك بإصلاح بعض ذريتنا ، وخصا البعض من ذريتهما مع أن مقتضى الشفقة أن لا يخص دعاء الصلاح بالبعض لما علما أن من ذريتهما محسنا وظالما لنفسه مبينا وطريق علمهما بذلك أمران : تنصيص اللّه تعالى ذلك بقوله :لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[ البقرة : 124 ] والاستدلال بأن حكمة اللّه تعالى تقتضي أن لا يخلو العالم عن أفاضل وأواسط وأراذل . فالأفاضل هم أهل اللّه الذين أخلصوا أنفسهم للّه بالإقبال الكلي عليه ، والأواسط هم أهل الآخرة الذين يجتنبون المنكرات ويواظبون على الطاعات رغبة في نيل المثوبات ، والأراذل هم أهل الدنيا الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون جعلوا همتهم عمارة الدنيا وتهيئة أسبابها . وقد قيل : عمارة الدنيا ثلاثة أشياء :
أحدها الزراعة والغرس ، والثاني الحمية والحرب ، والثالث جلب الأشياء من مصر إلى مصر ، ومن أكبّ على هذه الأشياء نسي الموت والبعث والحساب . وإن سعى لعمارة الدنيا سعيا بليغا ودقق في إعمال فكره تدقيقا عجيبا فهو متوغل في الجهل والحماقة ولهذا قيل : « لولا الحمقى لخربت الدنيا » . قوله : ( وقيل أرادا بالأمة أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ) معطوف من حيث المعنى على ما يفهم من قوله : « أي واجعل بعض ذريتنا » من عموم بعض الذرية لذرية إبراهيم عليه السّلام من إسحق بن إبراهيم كما يتناول ذرية إسماعيل عليه السّلام . فإن إبراهيم وإسماعيل إذا اجتمعا في الدعاء لإسلام ذريتهما ينصرف دعاء إبراهيم إلى جميع ذريته من أولاد إسماعيل وإسحق وينصرف دعاء إسماعيل إلى ذريته خاصة فلا جرم تدخل أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وعليهم في دعائهما كما يدخل أمم سائر الأنبياء من ذرية إبراهيم في دعائه . ومن قال : المراد بالأمة المسلمة هي أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة . بنى كلامه على أن من كان ذرية لهما معا إنما هو العرب فإن دعاءهما فيما كان ذرية لهما وهو إنما يظهر فيمن آمن بنبينا من العرب خاصة .
قال الإمام القرطبي حاكيا عن السهيلي : وذريتهما من العرب لأنهم بنو بنت إسماعيل أو بنو أيمن بن إسماعيل ويقال بنو قيدار ابن بنت إسماعيل . أما العدنانية فمن بنت إسماعيل . وقال ابن عطية : وهذا ضعيف لأن دعوته ظهرت في العرب وفيمن آمن من غيرهم . والأمة الجماعة هنا ويكون واحدا إذا كان يقتدى به في الخير ومنه قوله تعالى :إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً[ النحل : 120 ] وقد يطلق لفظ الأمة على غير هذا المعنى ومنه قوله تعالى :إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ[ الزخرف : 22 ، 23 ] أي على دين وملة ومنه قوله