أسلم إذا استسلم وانقاد . والمراد طلب الزيادة في الإخلاص والإذعان والثبات عليه .
شرح
والجنان خالصا له تعالى ولا يعظم معه تعالى غيره . ويعتقد أيضا بأن ذاته وصفاته وأفعاله خالصة للّه تعالى خلقا وملكا لا مدخل في شيء منها لأحد سواه . والإسلام بمعنى الإخلاص أخص من الإسلام بمعنى الاعتقاد والعمل بثمرات الإيمان ، والمراد به من يستسلم وينقاد له تعالى بأن يرضى بكل ما قدر ويترك المنازعة في أحكام اللّه تعالى ، فإن الإسلام إذا وصل باللام الجارة كما في قوله :مُسْلِمَيْنِ لَكَوأَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ[ البقرة : 131 ] يكون بمعنى الاستسلام والانقياد والرضى بالقضاء . ولما كان لقائل أن يعود ويقول : لا شك أنهما كانا مخلصين مستسلمين في زمان صدور هذا الدعاء منهما فلم يحصل التفصي من لزوم طلب تحصيل الحاصل بحمل المسلم على أحد هذين المعنيين ؟ أجاب عنه بأن أصل حصول الإخلاص والانقياد والإذعان في الحال لا ينافي طلب الزيادة في المآل فقوله : « طلب الزيادة في الإخلاص » نشر على ترتيب اللف الواقع في قوله : « مخلصين » أو « مستسلمين » فإن الاستسلام هو الإذعان والانقياد . وتزايد كل واحد من الإخلاص والانقياد يتصور على وجهين : أحدهما أن يترقى في كل منهما من الضعف إلى القوة على طريق الحركة في الكيف فإن مراتب الإخلاص متفاوتة لأن العابد المتبرىء من السمعة والرياء قد يخلص عبادته للّه تعالى هربا من عقابه ، وقد يخلصها له طلبا لثوابه ، وقد يخلصها له طلبا لمحض مرضاته وله أيضا مراتب شتى . وكذا الانقياد والإيمان له مراتب مختلفة ، فإن المؤمن وإن كان منقادا راضيا بكل ما قدره اللّه تعالى فربما يبقى في قلبه نوع من المنازعة في شيء من أحكام اللّه تعالى بمقتضى البشرية ليطلب أن يحصل له مقام الإخلاص والرضى بالقضاء على سبيل الكمال . وثانيهما أن يتزايد كل واحد منهما بأن تتجدد أمثالهما بحسب تجدد الأزمنة لأنهما من قبيل الإعراض ، والعرض لا بقاء له عند أهل السنة ولذلك قالوا في قوله تعالى :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ[ النساء : 136 ] معناه آمنوا باللّه في حادث الوقت بترك الكفر فيه والكفر باعتبار سلامة الآلات متصور الوجود في كل وقت فبتركه في كل وقت يتجدد له الإيمان فيه ، لأن المحل كلما خلا عن أحد الضدين يتجدد فيه الآخر . وعلى هذا تأويلهم في قوله تعالى :فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً[ التوبة : 124 ] فإن زيادة الإيمان إنما هي من حيث تجدده بتجدد الزمان لا من حيث الذات فإن ذاته لا تحتمل التزايد ، إذ هو عبارة عن التصديق بجميع ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ولا يتصور التزايد في نفس هذا التصديق . وأما عامة المعتزلة القائلون ببقاء الإعراض فإنهم يقولون : الإسلام بمعنى الإيمان والتصديق متى وجد فإنه يدوم ويبقى إلا أن يوجد ما يبطله ويرفعه . فالمسلم إذا قال : اجعلني مسلما يقولون إنه سأل الثبات والدوام عليه ولا محذور فيه وإنما المحذور في طلب حصول أصله ، ويؤولون