تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا
أي يقولان ربنا . وقد قرىء به ، والجملة حال منهما .
إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ
لدعائنا
الْعَلِيمُ
( 127 ) بنيّاتنا .
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ
مخلصين لك من أسلم وجهه ، أو مستسلمين من
شرح
الزبير في طولها وأن ينقص ما زاده من الحجر وترد إلى ما بناها قريش وأن يسد الباب الذي فتحه إلى جانب الغرب . وروي أن هارون الرشيد ذكر لمالك بن أنس أن يريد هدم ما بنى الحجاج من الكعبة وأن يرده إلى ما بناه ابن الزبير لما جاء عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه استحسن ذلك وبيّن العذر في عدم مباشرة ذلك بنفسه وابن الزبير إنما فعل ذلك امتثالا لاستحسانه ذلك ولقتله ابن الزبير ، فقال له مالك : ناشدتك اللّه يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك لا يشاء أحد منهم إلا نقض البيت وبناه فتذهب هيبته من صدور الناس . قوله : ( والجملة حال منهما ) أي يرفعانها قائلينرَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّاوالآية دلت على أن الواجب على كل مأمور بعبادة وقربة إذا فرغ منها وأداها كما أمر بها وبذل في ذلك ما في وسعه أن يتضرع إلى اللّه تعالى ويبتهل لتقبل منه وأن لا ترد عليه فيضيع سعيه . ولا يقطع القول بأن من أدّى عبادة وطاعة تقبل منه لا محالة إذ لو كان هكذا لم يكن لدعائهما بطريق التضرع ليقبل منهما فائدة ، ولا يظن أنهما لم يأتيا فيما أمرا به بغاية ما في وسعهما وكيف يظن ذلك منهما مع علو شأنهما وكمال اهتمامهما في امتثال أمر اللّه تعالى ؟ حيث انقاد الأب الشفيق لذبح ابنه الكريم وانقاد الابن في عنفوان شبابه إلى أن يذبح : وأيضا قولهما :إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[ البقرة : 127 ] يدل على أنه لم يقع منهما تقصير بوجه ما في إتيان المأمور به بل بذلا في ذلك غاية ما في وسعهما ، فإن المقصر المتساهل كيف يتجاسر على أن يقول بأطلق لسان وأرق جنان « إنك أنت السميع لدعائه وتضرعنا العليم بما في قصدنا وصبرنا في اتباع أمرك » ودل ذلك على أن القبول والرد إليه تعالى وأنه لا يجب عليه شيء كما زعمت المعتزلة . وفرق بين القبول والتقبل ، فإن التقبل لكونه على بناء التكلف إنما يطلق حيث يكون العمل ناقصا لا يستحق أن يقبل إلا على طريق الفضل والكرم ، ولفظ القبول لا دلالة فيه على هذا المعنى واختيار لفظ التقبل اعتراف منهما بالعجز والانكسار والقصور في العمل . قوله : ( مخلصين لك ) أي ليس المراد بالمسلم ههنا من حقن دمه بالشهادتين حتى يقال : قد أجمع المسلمون على أنهما كانا مسلمين بهذا المعنى وقت صدور هذا الدعاء منهما ، فطلب أن يجعلهما مسلمين طلب لتحصيل الحاصل وهو باطل . بل المراد به من يجعل نفسه وذاته خالصا للّه تعالى بأن يجعل التذلل والتعظيم الواقع منه باللسان والأركان