تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
ومنه قعدك اللّه . ورفعها البناء عليها فإنه ينقلها عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع . ويحتمل أن يراد بها سافات البناء فإنّ كلّ ساف قاعدة ما يوضع فوقه وبرفعها بناؤها . وقيل : المراد رفع مكانته وإظهار شرفه بتعظيمه ودعاء الناس إلى حجه . وفي إبهام القواعد وتبيينها تفخيم لشأنها .
شرح
أن كلا منهما حالة مباينة للانتقال والزوال . قوله : ( ومنه قعدك اللّه ) أي ومن القعود بمعنى الثبات قولهم : قعدك اللّه ، وهو منصوب على أنه مصدر لفعل محذوف . وجعل في المفصل من المصادر التي تستعمل مقام إظهار فعلها وأصله : قعدتك اللّه تقعيدا بمعنى : أسأل اللّه أن يثبتك ويبقيك كما تريده ، فحذف الزوائد من المصدر وأقيم مقام الفعل مضافا إلى المفعول به الأول . كما أن عمرك اللّه أصله ومعناه : عمرتك اللّه تعميرا أي سألته أن يعمرك ، وحقيقة عمرتك أعطيتك عمرا ولما لم يتصور هذا المعنى من المخلوق استعمل في معنى سألت اللّه أن يعمرك ، فلما ضمن عمرتك معنى سألت عدي إلى مفعول آخر أعني اسم اللّه . وكذا قعدتك حقيقته جعلتك قاعدا أي ثابتا متمكنا ، ولما لم يكن ذلك في وسع البشر قصد به سألت اللّه أن يقعدك تقعيدا أي يثبتك فحذف الزوائد من المصدر وأقيم مقام الفعل مضافا إلى المفعول به الأول . قوله : ( ورفعها ) أي رفع الأساس أنّث ضمير الأساس لكونه في معنى القاعدة وهو جواب عن سؤال مقدر وهو أن يقال : رفع الشيء أن يفصل عن الأرض ويجعل عاليا مرتفعا ، والأساس أبدا ثابت على الأرض فما معنى رفعه ؟ وأجاب عنه بثلاثة أوجه : الأول أن المراد برفع الأساس البناء عليه وعبّر عن البناء على الأساس برفعها لأن البناء ينقلها من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع فيوجد الرفع حقيقة إلا أن أساس البيت واحد ، وعبّر عنه بلفظ « القواعد » باعتبار أجزائه كأن كل جزء من الأساس أساس لما فوقه . والوجه الثاني أن المراد بالقواعد سافات البناء وكل ساف أساس لما فوقه ومرفوع على ما تحته حقيقة . ووجه جمع القواعد على هذا الوجه ظاهر لتعدد السافات حقيقة . قوله : ( وبرفعها بناؤها ) أي وإن يراد برفع القواعد وضع بعضها على بعض . قال الجوهري : الساف كل عرق من الحائط . ثم قال : والعرق السطر . والوجه الثالث ما ذكره بقوله : « وقيل المراد رفع مكانته » يعني ليس المراد بالرفع الرفع الصوري الحقيقي بل الرفع المعنوي المجازي وهو رفع قدره وإظهار شرفه ، وجمع القواعد باعتبار الأجزاء كما في الوجه الأول كأن كل مرتبة من مراتب شرفه أساس لما فوقها . قوله : ( وفي إبهام القواعد ) حيث لم يقل قواعد البيت بالإضافة مع أنه أخص بل ذكر القواعد مبهمة ثم بيّنها أي قيدها بمضمون الحال فإن قوله : « من البيت » في موضع النصب على أنه حال من « القواعد » وكلمة « من » ابتدائية لا بيانية لعدم صحة أن يقال : التي هي البيت . وطريق الإيضاح بعد الإبهام إنما يسلك إذا قصد تفخيم شأن المبين .