قاس إبراهيم الرزق على الإمامة فنبّه سبحانه على أن الرزق رحمة دنيوية تعم المؤمن والكافر بخلاف الإمامة والتقدّم في الدين ، أو مبتدأ متضمن معنى الشرط .
شرح
مظهر لحرمتها وكذا الكلام في حرمة المدينة . روي أن الطائف كانت من توابع الشام فلما دعا إبراهيم عليه السّلام بهذا الدعاء أمر اللّه تعالى جبرائيل عليه السّلام حتى قلعها من أصلها من أرض الشام فطاف بها حول البيت سبعا فسميت الطائف لذلك ، ثم أنزلها ووضعها بأرض تهامة في موضعها الذي هي الآن فيه فمنها أكثر ثمرات مكة ، وكانت مكة وما يليها حين ذلك قفرا لا ماء فيها ولا نبات فبارك اللّه تعالى فيما حولها وأنبت أنواع الثمرات . و « من » الموصولة في قوله تعالى :مَنْ آمَنَ مِنْهُمْفي محل النصب على البدلية من أهله ، والمعنى : وارزق المؤمنين من أهله خاصة . ونظيره في التخصيص بعد التعميم قوله تعالى :وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا[ آل عمران : 97 ] والمستكن في« قالَ »في قوله تعالى :قالَ وَمَنْ كَفَرَضمير اسم اللّه تعالى كما أن المستكن في قوله تعالى :قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي[ البقرة : 124 ] ضمير إبراهيم عليه الصلاة والسّلام فيكون قوله :وَمَنْ كَفَرَمقولا للّه تعالى ويكون عطفه علىمَنْ آمَنَمن قبيل عطف التلقين ، فإن كل موضع يكون أحد المعطوفين فيه مقول واحد والآخر مقولا لآخر فالعطف الذي فيه يكون عطف تلقين . كأنه تعالى لقن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام أن يعم سؤال الرزق ويسأله في حق المؤمن والكافر جميعا ، ورد ما وقع منه من التخصيص فكأنه قال : قل وارزق من كفر أيضا فإنه مجاب ، وليس رزق الدنيا كالإمامة حتى يختص بالمؤمن مثلها بل إنه تعالى يرزق من كفر كما يرزق من آمن وإنه يمتعه قليلا ثم يضطره إلى عذاب النار .
وقول المصنف : « والمعنى وارزق من كفر » بلفظ المتكلم بيان لحاصل المعنى لا تقدير للفظ .
والمحقق التفتازاني لم يرض بكونه من عطف التلقين وجعل القول بأنه من عطف التلقين ناشئا من عدم التدبر والتعمق حيث قال : والذي يقتضيه النظر الصائب أن يكون هذا عطفا على محذوف أي ارزق من آمن ومن كفر بلفظ الخبر ، وكذا قوله :وَمِنْ ذُرِّيَّتِيفإنه ينبغي أن يكون معطوفا على محذوف تقديره : واجعلني إماما وبعض ذريتي بلفظ الأمر فيحصل التناسب ويكون المعطوف والمعطوف عليه مقول واحد . قوله : ( قاس إبراهيم الرزق على الإمامة ) حيث سأل الرزق لأجل المؤمنين خاصة كما خص اللّه تعالى الإمامة بهم في قوله :لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[ البقرة : 124 ] فلما رد سؤال الإمامة في حق ذريته على الإطلاق حسن أن يرد سؤاله الرزق في حق أهل مكة على الإطلاق ، فلذلك قيد بالإيمان تأدبا بالسؤال الأول . وأيضا لعله خشي أنه لو سأل الرزق لكلفة أهل مكة من المؤمنين والكافرين لكان ذلك منه بمنزلة طلب المعونة على ما هم عليه من الكفر