تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
شرح
يصرف عنه وجهه والمقيم الذي هو ضد المسافر ، وكذا المعتكف في المسجد ملازم لمكانه ومحتبس عليه . فيصح تفسير العاكف بالمقيمين إشارة إلى أن المراد بالطائفين حول البيت الغرباء القادمون إلى مكة للزيارة وإن العطف لتغاير الذوات . فإن أهل الحرم المقيمين فيه مغايرون لأهل الآفاق القادمين إلى مكة حاجين أو معتمرين تغايرا ذاتيا ، وإنما سمّي القادمون من خارج الحرم بالطائفين مع أن الطواف لا يختص بهم بناء على أن الطواف من لوازم أفعالهم وأن له مزيد اختصاص بهم من حيث إن مجاوزة الميقات لا تصح لهم إلا بالإحرام وأن الإحرام لا يتحلل منه إلا بالطواف . فلما كان الطواف من لوازم الغرباء القادمين إلى مكة وأخص أفعالهم عبر عنهم بالطائفين وجعله عنوانا لهم ليعلم أن الطواف أشهر أوصافهم وأنه أكثر وجودا منهم بالنسبة إلى الصلاة وإلا لما استحقوا هذه التسمية . روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ومجاهد وعطاء : أن الطواف لأهل الأمصار أفضل ، والصلاة لأهل مكة أفضل . ومن فسر « الطائفين » بالقادمين إلى مكة وفسر « العاكفين » بالمقيمين فيها وجعل عطف أحدهما على الآخر من قبيل عطف الذوات فسر قوله تعالى :وَالرُّكَّعِ السُّجُودِبالمصلين من الفريقين أعني من أهل مكة والقادمين إليها ، وجعل عطفه على ما قبله من قبيل عطف الصفات . فإن القادم طائف باعتبار ملابسته لوصف الطواف ومصل باعتبار ملابسته للصلاة ، وكذا المقيم بمكة عاكف فيها ومصل باعتبارين ، وعطفه على ما قبله مع اتحاد الذات للتنبيه على أن كل واحد من الأوصاف الثلاثة خصلة شريفة ينبغي أن يطهر لأجلها المحل . وقال عطاء : إذا كان طائفا من الطائفين ، وإذا كان جالسا فهو من العاكفين ، وإذا كان مصليا فهو من الركع السجود . يعني أن العطف الواقع في الآية من قبيل عطف الصفات والموصوف كل من حضر المسجد الحرام سواء كان آفاقيا أو من أهل الحرم . والجلوس في المسجد الحرام ناظرا إلى الكعبة من جملة العبادات الشريفة المرضية بدليل ما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن للّه في كل يوم وليلة مائة وعشرين رحمة تنزل على هذا البيت ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين » وقول المصنف : « المقيمين عنده » يمكن أن يحمل على هذا المعنى بل هو أقرب لخلوه عن التكلفات اللازمة على الاحتمال الأول . وفي الكشاف : ويحتمل أن يراد بالعاكفين الواقفين بمعنى القائمين في الصلاة بقرينة قوله تعالى في سورة الحج :وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ[ الحج : 26 ] فالمعنى للطائفين والمصلين لأن القيام والركوع والسجود هيئات المصلي . ولا يبعد أن يحمل لفظ « المقيمين » في عبارة المصنف على هذا المعنى أيضا . وإيراد عبارة واحدة صالحة لأن تحمل على كل واحد من الأقوال الثلاثة للمفسرين من جملة فضائل المصنف نور اللّه مرقده .