وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
أبدل من آمن من أهله بدل البعض للتخصيص .
قالَ وَمَنْ كَفَرَ
عطف على من آمن . والمعنى وارزق من كفر ،
شرح
الحرم وقد وجب قتله بما صدر منه خارج الحرم فإنه بعيد جدا . وروى الإمام الواحدي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : يريد بلدا محرما لا يصاد طيره ولا يقطع شجره ولا يختلى خلاه ، فإن صيد مكة لا ينفر ولا يتعرض له بنوع من الأذى ومن قتل صيد مكة فعليه جزاؤه . ومن أمثال العرب قولهم : آمن من حمام مكة . رأيت في كتب متعددة من كتب التفاسير أن الحرم مأمن للطيور حتى بالنسبة إلى السباع أيضا فإن الأسد ربما يتبع الظبي خارج الحرم فيفر الظبي منه ويدخل الحرم ، فيرجع الأسد عنه ولا يتبعه في الحرم ، وإن اجتمعا فيه لا يهيج السبع عليه ولا ينفر الصيد منه حتى إذا خرجا من الحرم عدا السبع عليه وعاد الصيد إلى النفور والهرب . فسبحانه من قادر وبيده ملكوت كل شيء . فإن قيل : إن مكة كانت حراما قبل دعوة إبراهيم لقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم فتح مكة : « إن هذا البلد حرمه اللّه يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة اللّه تعالى إلى يوم القيامة فإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام حرمه اللّه تعالى إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يخلى خلاه . وقال العباس : يا رسول اللّه إلا الإذخر فإنه لقيتهم ولبيوتهم ؟ فقال عليه الصلاة والسّلام : إلا الإذخر » . أجيب بأن ما كان قبل الدعوة هو الأمن من استئصال الجبابرة المسلطين على البلاد إذا ثبت اللّه في نفوسهم تعظيما واحتراما وهيبة لها بحيث كان ذلك يمنعهم عن غارة أهلها والتعرض لهم بسوء إلا أنه بقي فيها بعض من الشدائد كالقحط ونحوه فطلب كونها آمنة منه فهي كانت حراما قبل الدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حراما بدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام . وقيل : هو سؤال تقرير للأمن السابق وإبقائه وإدامته كما كان ، فأجاب اللّه تعالى دعوته فقال :أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً[ العنكبوت : 67 ] وقيل : إنما صارت حرما آمنا بدعاء إبراهيم عليه السّلام وقبله كانت كسائر البلاد . ودليله ما ورد في صحيح مسلم عن زيد بن عاصم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال :
« إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة وإني دعوت في صاعها ومدها كما دعا إبراهيم لأهل مكة » ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن هذا البلد حرمه اللّه تعالى يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة » . ولعل المراد به الإخبار بأن مكة كانت حراما في سابق علم اللّه تعالى وقضائه إلا أنه تعالى لم يتعبد الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم عليه السّلام فحرمها . فخطاب اللّه تعالى بتحريمه أزلي وتعلقه بالمحرم حادث بعد السؤال فتحريمها مسند إليه تعالى حقيقة وإلى إبراهيم مجازا من حيث إنه عليه السّلام