وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا
يريد البلد أو المكان
بَلَداً آمِناً
ذا أمن كقوله :
فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ
[ الحاقة : 21 ؛ القارعة : 7 ] أو آمنا أهله كقولك : ليل نائم .
شرح
قوله تعالى :( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ )معطوف على قوله :وَإِذِ ابْتَلى[ البقرة : 124 ] وتذكير للحال الثالث من أحوال إبراهيم عليه السّلام التي حكاها اللّه تعالى ههنا . قوله : ( يريد البلد ) بقرينة قوله تعالى في سورة إبراهيم عليه السّلام :وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً[ إبراهيم : 35 ] أو المكان لقوله تعالى حكاية عنه :رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ[ إبراهيم : 37 ] وظاهر أن كل واحدة من الدعوتين وقعت قبل صيرورة ذلك الوادي بلدا أو مدينة فكأنه قال ههنا : رب اجعل هذا الوادي القفر بلدا ذا أمن وسلامة . فيجوز أن يكون البلد أيضا داخلا تحت الطلب بخلاف ما إذا كان الإشارة إلى البلد كما في تلك السورة ، فإن المسؤول حينئذ يكون نفس الأمن فقط ويكون البلد بمعنى الأرض لا بمعنى المدينة . قال الإمام الواحدي في الوسيط : كل موضع من الأرض عامرا وغير عامر مسكون أو خال بلد ، والقطعة منه بلدة ، والجمع بلاد وبلدان . وقال الجوهري : البلدة الأرض يقال : هذه بلدتنا كما يقال : بحرتنا أي أرضنا . ولما لم يصح أن يوصف البلد بالأمن حقيقة ذكر له وجهين : الأول أن يكون « آمنا » من باب النسب « كلابن » و « تأمر » فإنهما لنسبة موصوفهما إلى مأخذهما كأنه قيل : « لبني » و « تمري » . فالمعنى بلد منسوب إلى الأمن ، ومثلهعِيشَةٍ راضِيَةٍ[ الحاقة : 21 ؛ القارعة : 7 ] عند من جعلها بمعنى ذات رضى لا بمعنى مرضية على طريق إسناد المبنى للفاعل إلى المفعول إسنادا مجازيا عقليا وإن جعل من باب النسب يكون الإسناد حقيقيا . والثاني ما أشار إليه بقوله : « أو آمنا أهله » فيكون من قبيل الإسناد المجازي لأن الأمن الذي هو صفة لأهل البلد حقيقة قد أسند إلى مكانهم للملابسة بينهما ، كما أسند صفة النائم إلى زمانه كقولك : ليل نائم . واختلف في الأمن المسؤول في هذه الآية على وجوه : الأول أنه الأمن من القحط والجدب لأنه أسكن ذريته بواد غير ذي زرع ولا ضرع فدعا لذريته وغيرهم رغد العيش ، فإن قيل : فيكون سؤال الرزق بعده تكرارا . قلنا : لا نسلم لأن الأمن من القحط يحصل بحصول ما يحتاج إليه من الأغذية من غير كد بليغ وهو لا يستلزم التوسعة بحصول الفواكه والثمرات . فهو عليه السّلام بالسؤال الأول طلب إزالة القحط ، وبالسؤال الثاني التوسعة العظيمة . والثاني أنه الأمن من الخسف والمسخ والزلازل والغارات والجنون والجذام والبرص ونحو ذلك من البلايا التي تحل بالبلد . والثالث أنه الأمن من القتل وهو قول أبي بكر الرازي . واستبعده الإمام القرطبي حيث قال : وما ظن من أن المراد الأمن من سفك الدم في حق من لزمه القتل ، فإن ذلك يبعد كونه مقصودا لإبراهيم عليه الصلاة والسّلام حتى يقال : طلب من اللّه أن يكون في شرعه تحريم قتل من التجأ إلى