وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ
أمرناهما .
أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ
بأن طهّرا بيتي .
ويجوز أن تكون « أن » مفسّرة لتضمن العهد معنى القول يريد طهّراه من الأوثان والأنجاس وما لا يليق به أو أخلصاه
لِلطَّائِفِينَ
حوله
وَالْعاكِفِينَ
المقيمين عنده أو المعتكفين فيه
وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
( 125 ) أي المصلّين جمع راكع وساجد .
شرح
السّلام بها من حيث إنه بناها بنفسه بمعاونة ابنه خالصا للّه تعالى داعيين متضرعين إليه تعالى بقولهما :رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا[ البقرة : 127 ] واختارها مسكنا لذريته وأهله . ولا شك أن مثل هذه الملابسة القوية كافية في صحة الإضافة . وأما إذا قرىء « واتخذوا » بلفظ الأمر فإنه يصح حينئذ أن يجعل « المصلى » بمعنى ما يصلى فيه ، وأن يجعل المقام بمعنى موضع القدمين إذ لا مانع من أن يؤمر جميع الناس بأن يصلوا فيه وإن لم يصح أن يخبر عنهم بأنهم صلوا فيه ، ويكون لفظ « مقام إبراهيم » على قراءة الماضي موضوعا موضع ضمير البيت للإشارة إلى أن علة اتخاذهم إياه قبلة إضافته إلى إبراهيم عليه السّلام من حيث إنه عليه السّلام بناه بأمر اللّه تعالى ليكون مثابة للناس يأتون إليه من كل فج عميق مكبرين ومهللين ومسبحين ومعظمين شعائر اللّه ومشاعره .
قوله : ( أمرناهما ) فإن العهد قد يكون بمعنى الأمر والوصية يقال : عهد إليه أي أمره وأوصاه ومنه قوله تعالى :أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ[ يس : 60 ] وقوله :وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ[ طه : 115 ] والأمر لا بد له من المأمور به وهو في الآية تطهيرهما البيت ، فلذلك قدر الباء بقوله : « بأن طهرا » وحذف الجار من « أن » وأن شائع كثير . ومدخول الجار بعد حذفه إما في موضع النصب إن حذف الجار منسيا وأوصل الفعل إليه بنفسه كما في قوله تعالى :وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ[ الأعراف : 155 ] أو في موضع الجر على إرادة الجار وعدم كونه منسيا كما في قولك : اللّه لأفعلن بالجر . ويحتمل أن لا يكون له محل من الإعراب على أن تكون « أن » مفسرة بمعنى « أي » كالتي في قوله تعالى :وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا[ ص : 6 ] و « أن » المفسرة لا تصحب من الألفاظ إلا ما يتضمن معنى القول كالعهد في هذه الآية ، ولا تصاحب صريح القول فلا يقال : قلت لزيد أن افعل كذا . قوله : ( يريد طهّراه من الأوثان ) أي احفظاه من أن ينصب حوله شيء من الأوثان ونحوها ، لا بمعنى أزيلا وأخرجا عنه ذلك كقولك لحافر البئر « ضيق فم الركية » وللخياط « وسع كم القميص » فإنك لا تريد أن تقول :
أزل ما فيهما من الوسعة والضيق بل المراد ضعهما ابتداء ضيقة الفم وواسع الكم . قوله : ( أو أخلصاه للطائفين ) أي خلصاه لهؤلاء الطوائف بحيث لا يأتيه غيرهم . فيكون إشارة إلى أن ما سواهم ليس بطاهر حيث اختص طهارة المحل بحضورهم فيه . والطواف المشي حول الشيء ، والعكوف الاحتباس واللزوم على الشيء ويقال أيضا للإقبال على الشيء بحيث لا