حتى نزلت . وقيل : المراد به الأمر بركعتي الطواف لما روى جابر أنّه عليه الصلاة والسّلام لما فرغ من طوافه عمد إلى مقام إبراهيم فصلّى ركعتين وقرأ :
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ
شرح
مقام إبراهيم هو الحجر الذي قام عليه إبراهيم عند بناء البيت وهو الذي اعتمد عليه برجله حين غسل رأسه وهو على دابته . والظاهر أن المراد بموضع ذلك الحجر الموضع الذي وضع فيه حين اعتمد عليه برجله عند غسل رأسه لأنه موضع واحد وهو الموضع الذي غسل فيه رأسه ، فيكون الموضع الذي أمرنا باتخاذه مصلى معلوما لنا بخلاف موضعه حين ما قام إبراهيم عليه لبناء البيت ، فإنه مواضع متعددة في حوالي البيت فيلزم أن نكلف باتخاذ الموضع المجهول مصلى . وفي التيسير : قيل : إن مقام إبراهيم هو الحجر الذي وضع عليه إبراهيم قدمه حين نادى بالحج ، فقد روي أنه لما فرغ من بناء الكعبة قيل له : أذّن في الناس بالحج . فقال : كيف أنادي وأنا بين الجبال وليس بحضرتي أحد ؟ فقال اللّه تعالى : عليك النداء وعليّ البلاغ . فصعد أبا قبيس وصعد على هذا الحجر فارتفع هذا الحجر حتى علا على كل حجر في الدنيا . وجمع اللّه له الأرض كالسفرة فنادى : يا معشر المسلمين إن ربكم بنى له بيتا وأمركم أن تحجوه فحجوه . فأجابه الناس من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات ، فمن أجابه مرة فحج مرة ومن أجابه عشرا فحج عشرا إلى هنا كلامه . ولعل ذلك الحجر نقل من أبي قبيس إلى المسجد الحرام ووضع بإزاء باب الكعبة في الموضع الذي تصلى فيه ركعتي الطواف مستقبلا إلى البيت ، فازدحم عليه الناس يقبلونه ويمسحونه بأيديهم حتى محي وفني بمرور الأزمنة المتطاولة صار مقام إبراهيم اليوم اسما لذلك الموضع الذي وضع فيه الحجر ومحي . قوله : ( وقيل المراد به ) أي بقوله :وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّىالأمر بركعتي الطواف لأن جعل « مصلى » بمعنى مدعى يدعى فيه . كما قال مجاهد : للفظ الصلاة غير المعنى المتبادر منه عند الإطلاق وهو الصلاة ذات الركوع والسجود ، ولا سيما أن ما روي عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما رأى البيت استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ، ثم أتى مقام إبراهيم فقرأ :وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّىفصلى ركعتين قرأ فيهما :قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ[ الإخلاص : 1 ] وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ[ الكافرون : 1 ] كما يدل على أن المراد بالمصلى موضع الصلاة بمقام إبراهيم أي موضع الحجر الذي قام عليه إبراهيم عليه الصلاة والسّلام يدل أيضا على أن المراد بالمصلى موضع الصلاة المعهودة .
قال الإمام الرازي : وههنا بحث فقهي في ركعتي الطواف أهما فرض أم سنة ؟ والجواب فيه نظر : إن كان الطواف فرضا فللشافعي فيه قولان : أحدهما فرض لقوله تعالى :وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّىوالأمر للوجوب والثاني سنة لقوله عليه الصلاة والسّلام حين قال : هل عليّ غيرها ؟ فقال : « لا إلا أن تتطوع » وإن كان الطواف نفلا مثل طواف القدوم فركعتاه سنة .