تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
عذاب الآخرة من حيث إنّ الحجّ يجبّ ما قبله ، أو لا يؤاخذ الجاني الملتجىء إليه حتى يخرج وهو مذهب أبي حنيفة .
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى
على إرادة القول أو عطف على المقدّر عاملا لإذا ، واعتراض معطوف على مضمر تقديره ثوبوا إليه واتخذوا ، على أن الخطاب لأمة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو أمر استحباب . ومقام إبراهيم هو الحجر الذي فيه أثر قدمه أو الموضع
شرح
قوله : ( من حيث إن الحج يجبّ ما قبله ) أي يقطع ويمحو ما وجب قبله من حقوق اللّه تعالى الغير المالية . وأما الحقوق المالية مثل : كفارة اليمين وحقوق العباد ، فلا يجبها الحج . قوله : ( على إرادة القول ) أي وقلنا : اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه ، على معنى : وإذ جعلنا البيت وقلنا : اتخذوا . وإنما احتيج إلى تقدير القول لئلا يلزم عطف الإنشاء على الإخبار ونظيره قوله تعالى :وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا[ البقرة : 63 ، 93 ] وإن جعل معطوفا على المقدر عاملا ل « إذ » يكون التقدير : واذكر إذ جعلنا البيت مثابة للناس واتخذوا ، فلا يحتاج حينئذ إلى تقدير القول لاتفاق الجملتين في الإنشائية . وكذا إن جعل كلاما معترضا بين الجملتين المتعاطفتين الواقعتين في قصة إبراهيم عليه السّلام وهما قوله :جَعَلْنَا الْبَيْتَوَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ[ البقرة : 125 ] وكان أمرا لأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يتخذوا من مقامه مصلى يصلون فيه ركعتي الطواف وغيرهما من الصلوات . كما روي عن مقاتل وقتادة والسدي أن قوله تعالى :وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّىأمر بالصلاة عند مقام إبراهيم . وإنما قلنا : لا حاجة إلى تقدير القول إن جعل كلاما معترضا بينهما لأنه حينئذ يكون معطوفا على مدلول قوله تعالى :وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةًلأن في قوة أن يقال : ثوبوا إلى اللّه ، فهي جملة أمرية فيصح عطف مثلها عليها بلا تكلف . ويؤيد هذا الاحتمال ما روي في سبب نزوله وهو قول عمر رضي اللّه عنه : أفلا نتخذه مصلى ؟ يريد : أفلا نؤثره لفضله بالصلاة فيه تبركا وتيمنا بموطىء قدم إبراهيم عليه السّلام ؟ فأجابه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « لم أؤمر بذلك » . فلم تغب الشمس حتى نزلت . فإنه يدل على أن الخطاب والأمن والثوب والاتخاذ إنما هو لأمة محمد لا لأمة إبراهيم عليه السّلام . قوله : ( وهو أمر استحباب ) أي الأمر بتعيين مقام إبراهيم للصلاة عنده للاستحباب لانعقاد الإجماع على أن أماكن المسجد الحرام لا تفاوت بينها في حق ركعتي الطواف ولا في غيرهما من الصلوات ، فعلم به أن أهل الإجماع حملوا الأمر بتعيين المقام للصلاة على الاستحباب . وهو لا ينافي كون ركعتي الطواف واجبة كما ذهب إليه أبو حنيفة ، وعند الإمام الشافعي هما سنة . قوله : ( ومقام إبراهيم الخ ) المقام بفتح الميم ، يجوز أن يكون مصدرا ميميا من قام يقوم ، وأن يكون اسما لموضع القيام وهو الموضع الذي يضع عليه الإنسان قدميه حيث يقوم . والمقام بضم الميم موضع الإقامة ونفس الإقامة أيضا .