وقرىء مثابات أي لأنه مثابة كل أحد
وَأَمْناً
وموضع أمن لا يتعرّض لأهله كقوله تعالى :
حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ
[ العنكبوت : 67 ] أو يأمن حاجّه من
شرح
بمعنى العوض . قوله : ( وقرىء مثابات أي لأنه مثابة كل أحد ) يريد أن البيت وإن كان مثابة واحدة بالذات لكنه مثابات كثيرة نظرا إلى كثرة الإضافات إلى الزائرين من حيث أن لا يخص بواحد منهم .
قوله : ( لا يتعرّض لأهله ) لأن المشركين كانوا لا يتعرضون لسكان الحرم ويقولون :
البيت بيت اللّه وسكانه أهل اللّه بمعنى أهل بيت اللّه . وكان الرجل يرى قاتل أبيه في الحرم ولا يتعرض له ويتعرضون لمن حوله ، كما قال اللّه تعالى :أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ[ العنكبوت : 67 ] وهذا الشيء توارثوه من دين إسماعيل عليه السّلام فبقوا عليه إلى أيام النبي عليه السّلام فأجمعوا على أن من قتل في الحرم قتل به ، ومن أحدث فيه ما يوجب الحد أقيم عليه الحد فيه ، ومن حارب فيه حورب وقتل هنالك لأنه صار منتهكا لحرمة الحرم بالجناية فيه . والقتل قصاصا أو حدا شرع زجرا عما يرتكب مثله في المستقبل وكفارة عما ارتكبه ليجعل كالمعدوم ، فيكون فيه صيانة حرمة الحرم وتحقق تعظيمه بزجره وزجر غيره عن انتهاك حرمة الحرم ورفع ما انتهك منها بقدر ما أمكن . وأما إذا جنى خارج الحرم جناية توجب القتل ثم التجأ إلى الحرم فقد اختلف فيه : فذهب الإمام الشافعي إلى أنه لا يأمن بالالتجاء إليه ويستوفى منه في الحرم ما وجب عليه على ما روي في الخبر « من أن الحرم لا يفيد عاصيا » . وقال أبو حنيفة : من لجأ إلى الحرم كان آمنا من القتل ومن الأسباب الموجبة للقتل . فمن جنى خارج الحرم كما لا يقتل في الحرم لا يخرج منه ليقتل خارج الحرم عنده لكن يمنع من الطعام والشراب ولا يبلغ منه بل يضيق عليه حتى يموت أو يضطر فيخرج بنفسه فيقتل . وقال أبو يوسف : للسلطان أن يخرجه من الحرم فيقتل في الحدود ، وللولي في القصاص . وأجمعوا على أن إقامة الحدود فيما دون النفس جائزة في الحرم وإن لم يكن أسبابها في الحرم . والآية حجة لنا على الإمام الشافعي في الملتجىء إلى الحرم إذا كان مباح الدم من حيث إنها تدل على أنه يصير آمنا ما دام فيه ، ومع ثبوت وصف الأمن لا يتحقق إباحة القتل فلا يباح قتله في الحرم . ويؤيد ذلك قوله تعالى :وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً[ آل عمران : 97 ] كأنه قال : من دخل البيت أمنوه ، وقوله تعالى :وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ[ البقرة : 191 ] وقوله عليه الصلاة والسّلام : « إن مكة حرام بتحريم اللّه تعالى إياها يوم خلق السماوات والأرض لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ، وإنما أحلت لي ساعة من نهار لا يخلى خلاها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها .