وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ
أي الكعبة غلّب عليها كالنجم على الثريا .
مَثابَةً لِلنَّاسِ
مرجعا يثوب إليه أعيان الزوار أو أمثالهم أو موضع ثواب يثابون بحجه واعتماره .
شرح
قوله تعالى :وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِمعطوف على قوله :وَإِذِ ابْتَلىوالْبَيْتَومَثابَةًمفعولا جعل لأنه بمعنى صيرنا فيتعدى إلى اثنين يقال : ثاب يثوب ثوبا وثؤوبا ومثابة إذا رجع بعد ذهابه ، فالمثابة مصدر وصف به أو يراد به الموضع الذي يثاب إليه أي يرجع إليه . قال ورقة بن نوفل في الكعبة :مثاب لإحياء القبائل كلها * تخب إليها اليعملات الذوابلوالهاء في « مثابة » للمبالغة لكثرة من يثوب أي يرجع لأنه قلما يفارق أحد البيت إلا وهو يرى أنه لم يقض منه وطرا فهو كنسّابة وعلّامة ، قاله الأخفش . وقال غيره : هي تاء تأنيث المصدر وليست للمبالغة . قيل : جعل اللّه البيت مرجعا للزائرين من حيث إنهم لا يقضون منه وطرا بزيارته مرة أو مرتين بل كلما أتوه وانصرفوا عنه اشتاقوا إلى الرجعة إليه لما اعتقدوا في زيارته من الفوائد المتعلقة بمحو الخطيئات ورفع الدرجات ما لم يعتقدوا مثله في سائر الأعمال . قال الشاعر :جعل البيت مثابا لهموا * ليس منه الدهر يقضون الوطرفالبيت مثابة لأعيان الزائرين أو أمثالهم من حيث النية والاشتياق إليه . والألف واللام في الناس للاستغراق العرفي أو للعهد الذهني إذ العهد الخارجي منتف . وتعذر الحمل على الاستغراق الحقيقي لأن البيت ليس مثابة لجميع الناس لأن الأكثر لا يحج ولا يعتمر ، ومن حج أو اعتمر قد لا يرجع ، ومن حج أو اعتمر ومات فهو ليس براجع ، فثبت أن الثائب إليه إنما هو بعض الناس أي كل من زاره وانصرف عنه من أفراد الناس . والمراد بالثوب ما يعم حقيقة الرجوع والنية والتشوق إليه كما هو مقتضى الديانة بطريق عموم المجاز . قوله : ( يثوب إليه أعيان الزوار أو أمثالهم ) حمل تعريف الناس على العهد الذهني فإن زوار البيت من الحجاج والمعتمرين بعض منهم وجعل ثوب الزوار أعم من ثوبهم بأعيانهم وأنفسهم وثوب أمثالهم وأشباههم ، فإن كل من زار البيت بعدهم أمثال لما كانوا أشباها للزائرين أولا كان ما وقع منهم من الزيارة ابتداء بمنزلة عود الأولين فصدق بزيارتهم أنه مثاب الزائرين . ولما زار البيت زوار بعد زوار صدق أن يقال إن البيت كان مثابة للزوار من الناس وصدقه لا يجب أن يكون بعود الأولين بأنفسهم بل يصدق بمجيء أمثالهم إليه ، فإن مجيئهم عود لجنس الزائر إليه .
وهذا على تقدير أن تكون المثابة من الثوب بمعنى الرجوع ، ويجوز أن تكون من الثواب