تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
لأنها أمانة من اللّه تعالى وعهد ، والظالم لا يصلح لها وإنما ينالها البررة الأتقياء منهم .
شرح
والمفهوم منه أن يكون ردا لسؤاله بمنزلة أن يقال : إن ذريتك ظلمة والظالم لا ينال الإمامة فكيف أجعلهم أئمة دائمة للناس ؟ كما إذا قيل : علم بني فلان الكلام فقال : الكلام لا يقال للحمقى فإنه رد للسؤال حيث وصفهم بالحمق ، ثم حكم بأن الحمقى ليسوا بأهل لتعلم الكلام فكأنه قال : لا أعلمهم . ثم بيّن سبب ذلك بأنهم لحماقتهم لا يطلعون على دقائقه وأسراره فكيف أعلمهم وهم كذلك ؟ فالجواب أنه إجابة لأصل ملتمسه وهو أن يجعل بعض ذريته إماما للناس ورد لما فيه من إطلاق الذرية فإنه يدل على أنه عليه الصلاة والسّلام طلب الإمامة في حق بعض من يطلق عليه اسم الذرية أي بعض سواء كان مؤمنا أم كافرا والذرية الكافرة لا تصلح للإمامة . فهذا القول من اللّه تعالى إرشاد له عليه السّلام أن يسأله الإمامة للصالحين منهم ، ورد الإطلاق لا يكون ردا للمقيد الموصوف بشرائط الإمامة ، ورد سؤاله من حيث الإطلاق لا ينافي كونه إجابة لأصل ملتمسه . ألا يرى أن الجواب يقتضي إعادة ما في السؤال ؟ فكأنه قيل : أجبت ملتمسك في حق البعض الذي لم يكن ظالما من ذريتك ، وأما الظالمون منهم فإنهم لا ينالون ما عهدت إليك من الإمامة في الدين الحق فإن مجرد الملك والاستيلاء بطريق القهر كثيرا ما يكون للكفرة وذلك لا يسمى إمامة . قال سعيد بن جبير : المراد بالظالم ههنا الكافر إذ هو الظالم المطلق ، فإن قيل : إن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام كان عالما بأن ما عهد إليه من الإمامة لا نصيب للكافر منه فكيف أطلق الذرية ؟ وأجيب بأنه كان يعلم ذلك لكن لا يعلم حال ذريته فبيّن اللّه تعالى أن فيهم من هذا حاله ، وأن العهود إنما تحصل لمن ليس بظالم منهم . قال اللّه تعالى :وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ[ الصافات : 113 ] فالمحسن المؤمن والظالم الكافر . قوله : ( لأنها أمانة من اللّه تعالى وعهد ) يعني أن الإمامة خلافة من قبل اللّه تعالى في رعاية عباده والقيام بأمورهم بقضاء مهماتهم ودفع المضار عنهم ، وعقد العهد على ذلك على أن يكون المراد بالعهد ما هو المراد بقولهم : « المؤتمن إذا عهد وفى » فالإمام مؤتمن على رعاية أحوال الخلق وحسن التعهد والتحفظ بهم ومن عاهد عليها ملتزم بها . قال الراغب : إنه تعالى بيّن بقوله :لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَأنه قد يكون من ذريته ظالم وبيّن أن الإمام متحمد للعهد والظالم لا عهد له ، فإذا لا إمامة له . ويؤيد هذا ما روي في الخبر أن اللّه تعالى يقول يوم القيامة لوالي السوء : يا راعي السوء أكلت اللحم ولبست الصوف ولم تؤد الكثير ولم تراعها في مرعاها . انتهى كلامه . أي يقال : يا خائنا فيما ائتمنت عليه قد استوفيت من رعيتك كل منفعة يتصور منهم ثم قصرت في رعاية حقوقهم وتقوية ضعفائهم .