ربّه بكلمات مثل
أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
[ البقرة : 260 ] و
اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً
[ إبراهيم : 35 ] ليرى هل يجيبه . وقرأ ابن عامر إبراهام بالألف جميع ما في هذه السورة .
فَأَتَمَّهُنَّ
فأدّاهن كملا وقام بهن حق القيام كقوله تعالى :
وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى
[ النجم : 37 ] وفي القراءة الأخيرة الضمير لربه أي عطاه جميع ما دعاه .
قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
استئناف إن أضمرت ناصب إذ كأنه قيل : فماذا قال له ربّه
شرح
تشبيهه بالاختبار من حيث إنه طلب منه تعالى أشياء مبنية على اختباره ليرى أنه تعالى هل يجيبه إليها أو لا ، وهي معاملة شبيهة بالاختبار . فإن قيل : الاختبار إذا أسند إليه تعالى وجب حمله على المجاز ضرورة فما الحاجة إلى حمله عليه على تقدير أن يسند إلى العبد مع أن العبد يجوز عليه الاختبار حقيقة ؟ أجيب بأن العبد وإن صح أن يصدر عنه الاختبار إلا أنه لا يجوز عليه أن يختبر ربه لأن من هو الفعال لما يشاء ولا يسأل عما يفعل لا يختبر ، وأقل ما فيه أنه ترك الأدب لأن الأدنى لا يختبر الأعلى .
قوله : ( فأدّاهن كملا ) مناسب لكونه « ابتلى » بمعنى أمر وكلف وقوله : « وقام بهن حق القيام » مناسب لكونه بمعنى عامل معاملة المختبر . فإن حسن النظر في الأجرام العلوية والتيقن بأن شيئا منها لا يصلح للربوبية وكذا الصبر على المحن والرضى بقضاء اللّه تعالى وحكمه قيام بهن حق القيام . وعلى التقديرين ضمير « أتم » لإبراهيم إلا إذا فسرت « الكلمات » بما تضمنته الآيات التي بعدها فإن الظاهر حينئذ أن يكون ضمير « أتم » راجعا إلى الرب تعالى كما نقل عن القرطبي آنفا .
قوله : ( استئناف إن أضمرت ناصب إذ ) فإن كلمة « إذ » لكونها لازمة للظرفية لا بد لها من عامل ينصبها على الظرفية وهو هنا مضمر وتقدير قوله تعالى :وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَواذكر الحادث وقت ابتلائه والظرف معمول الحادث الذي هو وقت ابتلائه وقوله تعالى :قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماًعلى الأول استئناف كما ذكره فيكون ابتلاؤه بما ذكر من الكلمات قبل نبوته لأن الآية تدل حينئذ على أن قيامه عليه السّلام بهن وأداؤه تلك التكاليف الشاقة تامة كاملة كان كالسبب المناسب لجعله إماما وتشريفه بجعل النبوة والرسالة فيه ، والسبب متقدم في الوجود على المسبب . فإن قيل : ابتلاؤه بتلك التكاليف كيف يتقدم على جعله إماما وهو لا يعرف كونه مكلفا بها إلا بأن يوحى إليه وذلك يستلزم كونه نبيا وقت الابتلاء ؟ أجيب بمنع الاستلزام لجواز أن يوحي اللّه تعالى إليه على لسان جبريل بهذه التكاليف الشاقة فلما أتمها جعله نبيا مبعوثا إلى الخلق ، فإن قيل : تقدم الابتلاء والاتمام على النبوة مسلم على تقدير أن تفسر الكلمات بما عدا ذبح الولد والهجرة والنار ، وأما على تقدير أن تفسر بها فلا نسلم