بها معاملة المختبر بهنّ وبما تضمنته الآيات التي بعدها . وقرىء إبراهيم ربّه على أنه دعا
شرح
قَوْمِهِ[ الأنعام : 83 ] فكان تقدير الآية وإذ كلف وأمر إبراهيم ربه بإقامة هذه الحجة على قومه فأقامها وامتثل ما أمر به . قال الحسن : الكلمات هي الخلال الست : الكوكب والقمر والشمس والنار والهجرة والختان . وقال أبو إسحق الزجاج : هذه الأقوال ليست بمتناقضة لأن هذا كله مما ابتلي به إبراهيم عليه الصلاة والسّلام . كذا ذكره الإمام القرطبي . وذكر في شرح التأويلات حاكيا عن بعض المفسرين : أن المراد بالكلمات ، واللّه أعلم أنه تعالى ابتلاه بأربع محن عظام : إحداها محنة النفس حيث ألقي في النار فأسلمها إليها وصبر في ذات اللّه حتى قيل : إن جبريل عليه السّلام قال له : ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا . والثانية محنة الولد حيث ابتلي بإسكان أحد ولديه مع أمه بالوادي الذي لا ماء فيه ولا زرع ولا غرس وتركهما هنا وأخرج عنهما من غير أن يكون لهما قيم ولا ترك لهما نفقة ، وابتلي أيضا بذبح أحد ولديه فصبر على ذلك وأسلمه في ذات اللّه تعالى . والثالثة محنة الأهل والوطن حيث ابتلي بالهجرة إلى الشام فصبر على ذلك في ذات اللّه تعالى . والرابعة محنة المال فأنفقه في سبيل اللّه وصبر عليه في ذات اللّه . ولا محنة توازي هذه المحن في هذه الشدة والمشقة ولم يبتل أحد من الأنبياء عليهم السّلام باجتماع هذه البلايا . ولما فسرت الكلمات بالمحن والشدائد العظام ، ومن المعلوم أنه غير مكلف ببعض تلك المحن كإلقائه في النار ولم يتصور حقيقة الاختبار ممن لا تخفى عليه العواقب ، حمل الاختبار على المعاملة المشبهة به حيث قال : « إنه تعالى عامله بها معاملة المختبر بهن » . والمراد بالمعاملة المشبهة المذكورة سوق تلك المحن إليه عليه الصلاة والسّلام وإيثاره الرضى بقضاء اللّه تعالى على السخط والاستكراه حيث مكّنه من كل واحد من الرضى والانقياد ومن السخط والاستكراه ، فلما شبه السوق المذكور بمعاملة المختبر مع المختبر أطلق عليه اسم الاختبار مجازا وإن كان لفظ الابتلاء حقيقة في معنى الاختبار فعلى هذا قوله : « على أنه تعالى » قيد « لفسرت » المقدر عاملا في قوله : « والنار والهجرة » وقوله : « وبما تضمنته الآيات التي بعدها » أي وفسرت الكلمات أيضا بما ذكر بقوله تعالى :إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً[ البقرة : 124 ] إلى آخر القصة . ونقل الإمام القرطبي عن مجاهد أنه قال : المراد بالكلمات قوله تعالى : إني مبتليك بأمر قال : تجعلني للناس إماما ؟
قال : نعمقالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[ البقرة : 124 ] قال : تجعل البيت مثابة للناس وأمنا ؟ قال : نعم قال : وترينا مناسكنا وتتوب علينا ؟ قال : نعم قال : وترزق أهله من الثمرات ؟ قال : نعم . وعلى هذا فالقول بأن اللّه تعالى هو الذي أتم وأوضح . قوله :
( وقرىء إبراهيم ربه ) أي برفع « إبراهيم » ونصب « ربه » وهي قراءة ابن عباس رضي اللّه عنهما واختارها أبو حنيفة . وابتلاء إبراهيم ربه مجاز عن دعائه إياه بكلمات من الدعاء مبني على