العواقب ظنّ ترادفهما . والضمير لإبراهيم وحسن لتقدمه لفظا وإن تأخر رتبة لأن الشرط أحد التقدمين والكلمات قد تطلق على المعاني فلذلك فسّرت بالخصال الثلاثين المحمودة المذكورة في قوله :
التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ
[ التوبة : 112 ] الآية وقوله :
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ
[ الأحزاب : 35 ] إلى آخر الآيتين وقوله :
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
شرح
وابتلاه ابتلاء أي اختبره . إلا أن الابتلاء المسند إلى اللّه تعالى الظاهر فيه أن يحمل على إصابة الشدة وتكليف المشقة لأن الابتلاء بهذا المعنى يصح إسناده إليه تعالى حقيقة بخلاف الابتلاء بمعنى الاختبار . فإن الاختبار حقيقة إنما يصح ممن خفي عليه العواقب فإن من خفي عليه حال عبده أمطيع هو أم عاص متمرد يمتحنه بالأمر والنهي ليظهر له ما خفي من حاله قبل ذلك . واللّه تعالى منزه عن أن يخفى عليه شيء مما كان وما سيكون فلا يصح أن يسند إليه حقيقة الاختبار فإذا أسند إلى من لا يخفى عليه شيء وجب أن يحمل على المجاز إما بأن يراد به غايته التي هي ظهور الحال بالنسبة إلى غيره تعالى ، كما قال في الوسيط ، ابتلاء اللّه تعالى يعود إلى إعلامه عباده لا إلى استلامه لأنه يعلم ما يكون فلا يحتاج إلى الابتلاء ليعلم .
وإما بأن يحمل على استعارة تمثيلية بأن يشبه حاله تعالى مع العبد في أمره ونهيه إياه مع بناء الأمر على اختباره حيث مكنه من الأمرين الطاعة والمعصية بحال المختبر مع المختبر ، ثم يعبر عنها بالاختبار بأن يسمى التكليف الواقع منه تعالى اختبارا تشبيها له بالتكليف الصادر عن العباد ليعرف ما جاؤوا به من التكليف من حيث الصورة فإن المشابهة بين الشيئين صورة كافية في صحة الاستعارة ، وهذا التكليف لما استغنى عنه على تقدير حمل الابتلاء على التكليف اختاره المصنف . قوله : ( وإن تأخر رتبة ) فإن لفظ« إِبْراهِيمَ »على قراءة الجمهور منصوب على أنه مفعول« ابْتَلى »ولفظ« رَبُّهُ »مرفوع على أنه فاعله ، والمفعول وإن قدم لفظا فهو مؤخر رتبة إلا أنه قدم على الفاعل للاهتمام به فإن كون الرب تعالى مبتليا مقرر في الأذهان ، والمفعول لا يتشوف الذهن إلى بيانه ومعرفته وإنما يتشوف ويطلب معرفة المبتلي . وللإيجاز أيضا فإنه لو قدم الفاعل وقيل : « رب إبراهيم » ثم ذكر « إبراهيم » منصوبا على المفعولية لتكرر ذكر إبراهيم والإيجاز مطلوب في الكلام . وأيضا كون ضمير المفعول متصلا بالفاعل يوجب تقديم المفعول إذ لو أخر وقيل : « وإذ ابتلى ربه إبراهيم » لزم احتمال الإضمار قبل الذكر لفظا ورتبة وذلك لا يجوز إجماعا . والكلمات جمع كلمة وهي اللفظ الموضوع لمعنى مفرد فيكون الكلمات عبارة عن الألفاظ الموضوعة المنظومة إلا أنها قد تطلق على المعاني التي تحتها كما في قوله تعالى :وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا[ الأنعام : 115 ] أي قضية وحكمة وقوله تعالى :قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي[ الكهف : 109 ] أي للمعاني التي تبرز بالكلمات . ولا يجوز أن يراد بها الألفاظ لأن