وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ
كلّفه بأوامر ونواه . والابتلاء في الأصل التكليف بالأمر الشاق من البلاء لكنّه لمّا استلزم الاختبار بالنسبة إلى من يجهل
شرح
ومحصولها . وفذلكة الحساب ما يقال في آخر حساب الأمور الكثيرة المنفصلة :
« فذلك يكون كذا » فهي مأخوذة منه ، كما تؤخذ البسملة من قول المسمى بسم اللّه الرحمن الرحيم ، والسجلة من قول المسيح سبحان اللّه ، فإن مثلها مأخوذ من كلام مركب من أكثر من كلمة . ثم إنه تعالى لما شرح وجوه نعمه على بني إسرائيل ثم فصل قبائحهم في أديانهم وأفعالهم وذكر في أثنائه بعض قبائح المشركين وكان جميع الطوائف والملل من أهل الكتاب والمشركين معترفين بفضل إبراهيم عليه السّلام ويدعون الانتساب إليه ويفتخرون به ، وكان بنو إسرائيل يدعون أنهم على ملته ومتبعون لسنته وسيرته ، وكان المشركون يفتخرون بكونهم من أولاده ومن ساكني حرمه وخادمي بيته ، بيّن اللّه تعالى قصته وكيفية أحواله متصلا بما سبق من أحوال بني إسرائيل والمشركين تنبيها لهم على أن إبراهيم عليه السّلام إنما نال ما ناله من الخلة والكرامة بسبب أنه وفي بجميع ما ابتلاه به ربه من التكاليف وخرج عن عهدة ذلك جميعا ، وأتمهن بالوفاء بها كما قال :وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى[ النجم : 37 ] فكأنه قيل : من كان يفتخر بالانتساب إليه فليسلك سبيله وليتبع سيرته وليترك التمرد والعناد وليلازم الانقياد لحكم اللّه تعالى وتكاليفه .
قوله : ( من البلاء ) يريد البلاء الذي بمعنى البلية والمحنة كما في قوله تعالى :وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ[ البقرة : 49 ] على أن تكون الإشارة إلى ذبح الأبناء واستحياء النساء ، يقال : بلاه بكذا يبلوه بلاء وبلوا وابتلاه بكذا ابتلاء إذا أصابه بما يكرهه ويشق عليه .
والتكليف بالأوامر والنواهي وإن كان فضلا وإحسانا بالنسبة إلى الأرواح لكن لا يخلو عن كونه إصابة المشقة والتعب بالنسبة إلى الأبدان ، فصح أن يحمل ابتلاء في الآية على التكليف بالمشاق الذي هو معنى لغوي للفظ الابتلاء . وليس في كلامه ما يدل على أن الاختبار معنى مجازي له حتى يقال إن المصنف أراد بهذا الكلام الرد على صاحب الكشاف في تفسير الابتلاء بالاختبار ، وإن محصول كلامه أن معنى الابتلاء في أصل اللغة هو التكليف بالأمر الشاق وهو ممكن ههنا ، فيجب الحمل عليه دون المعنى المجازي الذي هو الاختبار إذ لا صارف عن إرادة المعنى الحقيقي ولا ضرورة تدعو إلى حمله على المعنى المجازي . ثم يعترض بأنه غير واضح لأن تتبع الآيات والأحاديث واستعمالات العرب العرباء وكذلك تتبع كتب اللغة يؤيد ما ذكره صاحب الكشاف بل مقصود المصنف أن الاختبار أيضا وإن كان معنى لغويا للابتلاء لقول الجوهري : بلوته بلوا جربته واختبرته ، وبلاه اللّه بلاء وأبلاه إبلاء